ذلك أن الله أمر نبيه أمرًا خاصًّا بجوابه، وإذا أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بأمر خاص فإنه دليل على أهمية ذلك الأمر؛ لأن الأصل أن جميع القرآن قد أمر أن يبلغه -﵊-. ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] فإذا جاءت آية يقول الله فيها "قل" فهذا أمر خاص بتبليغهم، فيدل على العناية بهذا الشيء وأنه ذو أهمية.
٢ - ومن فوائدها: أنه يجب الرد على شبهات أهل الباطل؛ لأن الله لم يقل: اتركهم، بل قال: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾.
٣ - ومن فوائدها: أن المكذبين بالبعث يحشرون يوم القيامة صاغرين لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾، وقد ذكرنا في أثناء التفسير عدة آيات تدل على أنهم يحشرون يوم القيامة أذلاء، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥].
٤ - ومن فوائد الآية: أن المؤمنين بذلك يحشرون يوم القيامة أعزة. ووجهه أنه إذا كان جزاء هؤلاء المكذبين أنهم يحشرون على وجه الصغار والذل، فإن العكس يكون بالعكس. والجزاء من جنس العمل، فيحشر المؤمنون يوم القيامة أعزاء.
* * *
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ يعني إذا كان الأمر كذلك أنهم يبعثون فهل يحتاج الأمر إلى علاج وإلى مدة؟ الجواب لا، فإنما هي أي زجرتهم للبعث زجرة واحدة، هذا هو الأصح في مرجع الضمير، ولهذا قال المؤلف [ضمير مبهم يفسره زجرة]
[ ٥٠ ]
فيكون الضمير مرجعه مستفاد من الخبر، أي فإنما الزجرة لبعثهم زجرة واحدة، وهذا الذي قدره المؤلف لمرجع الضمير هو الصواب فيكون مرجع الضمير هو الخبر، وقال بعضهم: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ أي البعثة التي يبعثونها، أي ما بعثتهم إلا زجرة واحدة أي بزجرة واحدة، ولكن ما قدره المؤلف أولى. ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾، قال المؤلف: [أي صيحة] يزجرون بها، فيقال: اخرجوا يعني من القبور. إذا قيل اخرجوا من القبور. خرجوا خروج رجل واحد لا يتخلف منهم أحد، ولا يخرجون ببطء لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠] فالمسألة لا تحتاج إلى تكرار طلب للخروج ولا إلى مهلة في زمان، بل بمجرد ما يقال: اخرجوا. فإذا هم قيام ينظرون. وهذا من تمام قدرة الرب -﷿-.
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. (الفاء) حرف عطف و(إذا) فجائية أي ففي الحال مفاجئة، هم ينظرون. و(إذا) الفجائية اختلف النحويون فيها: هل هي حرف لا محل لها من الإعراب أو هي ظرف؟ ونحن لا يهمنا أن نقدرها حرفًا أو ظرفًا، المهم أن نعرف المعنى، وهي أنها تدل على المفاجئة يعني يأتي بسرعة.
وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ يدل على أنهم بمجرد ما يخرجون يكونون أحياء يشعرون، وليس كالطفل الذي يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا، فالناس في الدنيا يخرجون من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، ولكن بعدئذ يجعل الله لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة. سمعًا يسمعون به ويعرفون، وإلا فالسمع موجود
[ ٥١ ]