الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان أن هذه الشجرة لها طلع، ولكن طلعها أقبح ما يكون من الطلع؛ لأنه يشبه رؤوس الشياطين.
٢ - ومنها: أن من أغراض التشبيه ما يسمى عند البلاغيين بالتقبيح، فيشبه الشيء بما يستقبح نفسيًّا، وإن لم يكن معلومًا حسيًّا لقوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾.
٣ - ومن فوائدها: أن رؤوس الشياطين مستكرهة مستقبحة؛ لأنه شبه بها القبح، والتشبيه إلحاق الشيء بما هو أعلى منه في الصفة التي ألحق فيها، لأن المشبه دون المشبه به.
٤ - ومن فوائدها: إثبات أن للشياطين رؤوسًا.
٥ - ومن فوائدها: الرد على من يقول: إن الشياطين والجن هي قوى الشر، والملائكة قوى الخير، وليس هناك أجسام تحس، ووجه الدلالة أنه أثبت للشياطين رؤوسًا، ولا يمكن أن يكون في الأمور المعنوية التي لها قوى.
٦ - ومن فوائدها: ضلال من يعتمد على العقل في إثبات الأشياء أو نفيها؛ لأن الاعتماد على العقل يؤدي إلى أن يرد الإنسان ما في الكتاب والسنة من أجل ما يدعي أنه عقل.
* * *
﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾ ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: الكفار ﴿لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ مع قبحها لشدة جوعهم، الجملة هنا اسمية
[ ١٥٠ ]
مؤكدة بـ (إنّ) و(اللام) لإفادة أن أكلهم مستمر، لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وأكدت بـ (إنّ) و(اللام) للدلالة على أنهم يأكلون منها أكلًا مؤكدًا مع أنها قبيحة المنظر، كريهة الطعم والرائحة، لكن -والعياذ بالله- الجوع الشديد يضطرهم إلى أن يأكلوا منها قصرًا من غير شهوة ومن غير لذة، لكن لملء بطونهم فقط، وأكد أكلهم منها لئلا يقول قائل: إنها ما دامت على هذا الوصف فلن يأكل منها أحد، ومع ذلك فإن الإنسان لو كان في الدنيا ربما يفضل الموت على الأكل من هذا. لكن في النار يعذبون بالأكل فيها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾ يعني: أنهم لا يشبعون ولا يقتصرون على الضرورة، وأنت عندما يعرض لك في الدنيا وأنت جائع جوعًا شديدًا لحم منتن لا تملأ منه البطن وإنما تأكل بقدر الضرورة فقط، لو حاولت أن تملأ بطنك أبت عليك نفسك، ولو أنك ملأته لأوشك أن تتقيأه، لكن في النار يعذبون بذلك فلا يأكلون بقدر الحاجة بل يملؤون بطونهم، يأكل ويقول: هات هات، كما أنهم يجبرون على شرب الحميم ويشربونه شرب الهيم، شرب الإبل الهائمة العطشى، وهذا من شدة عذابهم -والعياذ بالله- أن تصل بهم الحال إلى الجوع الشديد الذي يضطرهم إلى أكل هذه الشجرة الخبيثة يملؤون بطونهم منها، وإلى العطش الشديد الذي يضطرهم إلى شرب الحميم، وهو الماء الحار الذي لا يستفيدون منه، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾. [محمد: ١٥]
[ ١٥١ ]
وقال -﷿- في اغتسالهم ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠] تصل حرارته إلى ما في البطون مع حيلولة بقية الجسم دونها لكن تصل الحرارة إلى ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ [الهمزة: ٦ - ٧] تصل إلى القلوب، نسأل الله السلامة، اللَّهم نجنا من النَّار.
يقول تعالى: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾ قوله: ﴿الْبُطُونَ (٦٦)﴾ "ال" هنا للعهد الذهني، ولا يمكن أن نقول: إن "ال" العهد الذكري لأنَّه؛ سبق ما يدل على البطن لأنَّ العهد الذكري لابد أن يتقدم نفس اللفظ، وهنا لم يتقدم اللفظ، لكن تقدم ما يدل عليه في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ﴾ لأنَّه لا يأكل إلَّا من له بطن.
الفوائد:
١ - من فوائدها: إثبات أكلهم منها على سبيل التأكيد لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾.
٢ - ومن فوائدها: أنَّه ينبغي تأكيد الشيء المستبعد أمام المخاطب من أجل اطمئنان نفسه وإقراره به، ولهذا قال علماء البلاغة: إن المخاطب له ثلاث حالات:
١ - ابتداء.
٢ - وشك.
٣ - وإنكار.
١ - ففي الابتداء لا يحسن أن تؤكد له الخبر، بل تلقيه إليه غير مؤكد؛ لأنك إذا أكدته بدون سبب للتأكيد فقد يشك، ويقول: لولا أن هذا الرجل كاذب ما ذهب يؤكد الخبر بدون سبب،
[ ١٥٢ ]
فالفصاحة أن تلقيه إليه مجردًا من التأكيد.
فمثلًا: إذا أردت أن تخبر بقدوم زيد، تقول: قدم زيد، إذا كنت تخاطب رجلًا خطاب ابتداء، ليس عنده شك في قدومه ولا إنكار.
٢ - أن يكون عند المخاطب شك في الأمر فهنا يحسن أن يؤكد، ولكن لا يجب، فهذا الرجل الذي تخشى أن يكون شاكًّا بقدوم زيد لاستبعاده إياه، يحسن عندما تخبره أنَّه قادم أن تؤكد له، فتقول: قد قدم زيد، أو إن زيدًا قادم.
٣ - أن يكون منكرًا ففي هذه الحال يجب أن يؤكد له الخبر من أجل أن يزول عنه الإنكار ويطمئن إلى مدلول الخبر، كما لو كنت تخاطب شخصًا ينكر أن يكون فلان قدم البلد فتقول له: لقد قدم، وإن رأيت أنَّه يحتاج إلى زيادة. قلت: والله لقد قدم.
هذا باعتبار حال المخاطب أي: أنَّه يحسن توكيد الخبر، أو تجريده من التأكيد، أو وجوب تأكيده باعتبار حال المخاطب، وقد يكون التأكيد وعدمه باعتبار حال مدلول الخبر فإذا كان المدلول أمرًا هامًّا فإنَّه يؤكد حتَّى وإن كنت تخاطب من لا ينكر، مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ١ - ٢] وأشباه ذلك مما أقسم الله به على البعث وهو يخاطب المؤمنين، فهنا نقول: تأكيد هذا الخبر مع إقرار المخاطب به يقصد بذلك بيان أهميته، وأنَّه أمر يجب أن يتأكد في قلب الإنسان، وأن يثبت فيه ويرسخ. قال أهل العلم: وقد ينزل المقر منزلة المنكر لفعله فعل المنكر مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ
[ ١٥٣ ]