فالجواب: نعم، في الآخرة تكليف، قال الله -﷿-: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢] ودعوتهم إلى السُّجود تكليف.
٣ - ومن فوائدها: أنَّه ينبغي في الخطاب أن يذكر ما يناسب المقام، وأن يحذف ما تكون الفصاحة في حذفه، وجهه أنَّه اقتصر هنا على ذكر الإنذار بالنسبة للرسل مع أن الرسل -عليهم الصَّلاة والسلام- حالهم الإنذار والتبشير، قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
٤ - ومن فوائد الآية: رحمة الله -﷾- بالخلق، حيث لم يكلهم إلى عقولهم في تعبدهم لربهم ﷿، وجهه أنَّه أرسل إليهم الرسل، وأرسل إليهم الرسل أيضًا ليس مجرد أن يقولوا: اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير، بل قرن دعوتهم بالإنذار والتبشير، ليكون ذلك حافزًا لهم على فعل الأوامر واجتناب النواهي.
* * *
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ الخطاب هنا موجه لواحد مذكر فمن هو؟ أهو الرسول -﵊- أم من يصح أن يوجه إليه الخطاب؟ الجواب: الثَّاني أعم. أي: فانظر أيها المخاطب، أو أيها السامع كيف كان عاقبة المنذرين، وهنا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ ولم يقل: (ماذا
[ ١٦٥ ]
كان) أي: انظر إلى الكيفية وإلى الغاية.
لأنَّ من نظر إلى الكيفية نظر إلى الغاية، لو قال: ماذا كان عقابهم؟ لكان الجواب: الهلاك. لكن كيف عقابهم؟ انظر إليه: إلى الكيفية. ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠] فانظر إلى كيفية العاقبة لتستفيد بهذا النظر شدة العقوبة وملاءمتها للذنب؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] أي: إن عقوبته ملائمة لذنبه، وأنت إذا تأملت هذا وجدت الأمر كما قال الله -﷿-، فمثلًا كانت عاد تفتخر بقوتها وتقول: من أشد منا قوة؟ فأهلكوا بألطف الأشياء وهي الرِّيح، أرسل الله عليهم ريحًا فدمرتهم، فأصبحوا لا يرى إلَّا مساكنهم، وكان فرعون يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته، فأهلك بما كان يفتخر به وهو الماء، وهكذا كلما تأملت هلاك القوم المكذبين للرسل وجدت أن عقوبتهم مناسبة تمامًا لذنوبهم.
إذا (انظر كيف) أبلغ من (انظر ماذا كان عاقبتهم)، وجه ذلك أنَّها تدل على شدة الأخذ وعلى مناسبته للذنب، ثم إنك إذا نظرت إلى الكيفية ستنظر إلى العاقبة لكن إذا قيل: انظر إلى عاقبتهم، لم تأمر إلَّا بالنظر إلى عاقبتهم فقط.
وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ الجملة هنا استفهامية ولكنها في محل نصب مفعول، (انظر)، وهذا النظر بالقلب، والغالب أن النظر بالعين يعدى بـ (إلى) فيقال: نظر إليه، وأن نظر القلب يكون متعديًا بنفسه. ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ
[ ١٦٦ ]
وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] يعني بالقلوب، أما بالأعين فلا يفيد إذا لم يتأثر بذلك القلب.
وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ المنذرين هنا اسم مفعول، الذين أنذروا وخوفوا، ولكن لم يخافوا ولم يؤثر فيهم الإنذار، فكيف كان عاقبتهم، قال المؤلف -﵀-: [أي عاقبتهم العذاب]. يعني: أن العاقبة كانت وخيمة -والعياذ بالله-، عوقبوا بالعذاب المدمر المهلك.
الفوائد:
١ - في الآية الكريمة: تنبيه العاقل إلى النظر في عواقب المكذبين، وكذلك النظر في عواقب المجيبين، فإن الإنسان مأمور بالنظر في حال هؤلاء وهؤلاء، فإذا نظر في عواقب المجيبين وأنها عواقب حميدة صار منهم، وإذا نظر إلى عواقب المكذبين حذر منهم وابتعد عنهم، لقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾.
٢ - ومن فوائدها: أن الله لا يعاقب على الذنب إلَّا بعد قيام الحجة، لقوله: ﴿عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾، فهم أنذروا فكانت العاقبة.
٣ - ومن فوائدها: الإشارة إلى أنَّه ينبغي للناظر أن ينظر إلى كيفية العقوبة، لتكون أعظم في تصوره من وجه، وليعرف حكمة الله -﷿- في مناسبة العقوبة للذنب من وجه آخر.
فينظر إلى هذين الأمرين لبيان هذه العقوبة وشدتها ولبيان مناسبتها للذنب، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾.
[ ١٦٧ ]