واللات والعزى ومناة. وهبل واللات والعزى ومناة كلها في النار.
وعلى كل حال سواء قلنا: إن هذا عام أريد به الخاص، أي الذين يخاطبون الرسول -﵊- وينكرون البعث. أو قلنا: إنه عام مخصوص، فإنه لا شك أن الذين يُعبدون من دون الله وهم من أولياء الله لن يحشروا إلى النار ولن يدخلوها.
﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ أي دلوهم، وهذه هداية الدلالة وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦] فإن الذي يساق يهدى أيضًا، أرأيت الرجل يسوق بعيره ويهديها، هؤلاء يساقون وفي نفس الوقت يقال اذهبوا من هنا، اذهبوا من هنا حتى يصلوا إلى النار، وقد ذكر الله أن هؤلاء يساقون إلى النار في حال يحتاجون معها إلى الماء، بل يضطرون إلى الماء، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٦] عطاشًا فإذا جاءوا لم يجدوا إلا النار المحرقة -والعياذ بالله- وهذا يكون كالصفعة على وجوههم حيث جاءوا وهم يرجون أن يشربوا، ولكنهم يفاجئون بما يزيدهم لهبًا وعطشًا.
﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ صراط بمعنى طريق، والصراط نوعان: صراط حسي وهو ما تمشي عليه الأقدام، وصراط معنوي وهو ما تمشي عليه القلوب، فمن استقام في الصراط المعنوي على دين الله استقام في الصراط الحسي يوم القيامة حتى يصل إلى
[ ٥٨ ]
الجنة، ومن كان غير مستقيم في الدنيا على شريعة الله لم يكن مستقيمًا في الآخرة على طريق الجنة ولكن على طريق النار.
والصراط هنا حسي ﴿الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ النار، فالجحيم إذًا من أسماء النار، وأسماء النار في القرآن كثيرة متعددة.
الفوائد:
١ - بيان قدرة الله -﷿- حيث تخرج الخلائق كلها بزجرة واحدة. وتخرج الخلائق كلها فورًا بدون تأخير، ففيه دليل على القدرة من وجهين:
الوجه الأول: عدم تكرار الأمر.
والوجه الثاني: سرعة الائتمار والامتثال لأمر الله -﷿-.
٢ - ومن فوائدها: أن الناس يخرجون يوم القيامة فينظرون، إما من نظر العين أو من الانتظار، وأيًا كان فإنه يدل على أنهم يخرجون إلى أمر غريب لم يألفوه؛ لأنهم كانوا في الأول في قبورهم ثم حشروا إلى شيء غريب لم يكونوا يعرفونه من قبل، لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾.
٣ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين يدعون يوم القيامة بالويل والثبور والهلاك، لقولهمِ: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾. كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ [الفرقان: ١٤].
٤ - ومن فوائدها: تحقق هذا القول وأنه أمر واقع كالحاضر، لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾ فعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه.
[ ٥٩ ]
٥ - ومن فوائدها: أن الناس يحشرون يوم القيامة فيجازون على أعمالهم، يؤخذ من قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ وتكون هذه النتيجة للخلائق أن يحشروا يوم القيامة وأن يجازوا على أعمالهم وأن يكون هذا الجزاء نهائيًا ليس وراءه عمل ولا دونه أجل. لقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾.
٦ - ومن فوائدها: أن يوم القيامة يوم فصل أي حكم بين الناس وتميز بعضهم عن بعض لقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾.
٧ - ومن فوائدها: تقرير هؤلاء المكذبين لقوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ ووجه التقرير أن الإنسان إذا شاهد ما كذب به سوف يقول لمن حمله على هذا التكذيب أو وافقه عليه: هذا الذي كنت به تكذب، فيكون في ذلك زيادة في التحسر والندم على عدم التصديق بهذا اليوم.
٨ - ومن فوائدها: أن الناس يوم القيامة يميز بعضهم من بعض، ويجمع بعض الأصناف والأشكال والنظراء إلى بعض، لقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ وهذا من الفصل الذي ذكره الله في كتابه لقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾.
٩ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين لا ينفعهم اجتماعهم وحشر بعضهم إلى بعض، لقول الله -﷾- في آية أخرى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩] في الدنيا إذا شاركك أحد في العذاب نفعك، إما بأن يتحمل عنك جزءًا من هذا العذاب، وإما أن تتسلى به، لأن وقوع المصائب على غيرك تسليك وتساعدك على تحمل
[ ٦٠ ]
هذه المصيبة والصبر عليها، كما قالت الخنساء في أخيها صخر:
وما يبكون مثل أخي ولكن أسلِّي النفس عنه بالتأسي
١٠ - ومن فوائدها: إهانة هؤلاء المشركين بحشر أصنامهم إلى النار، وجه ذلك أن إهانة المعبود إهانة للعابد، وأنا أضرب لكم مثلًا لو أن سيدًا تحته أرقاء أو رجلًا تحته عائلة، أهين هذا الرجل الذي تحته العائلة، أو الرجل الذي تحته الأرقاء فإن ذلك إهانة للعائلة وللأرقاء؛ لأنهم يقولون: هذا كبيرنا وعظيمنا الذي نعظمه، فإذا أهين فهو إهانة لنا، وإن لم يكن إهانة حسية، لكنها إهانة نفسية معنوية، فتهان هذه الأصنام إهانة لعابديها.
١١ - ومن فوائدها: جواز ذكر العموم وإن دخل فيه من ليس فيه إذا بين في موضع آخر، ويتفرع على هذا أنه لا يشترط في البيان مقارنته للمبين، لأن الذي يمتنع في البيان هو تأخيره عن وقت الحاجة، فإذا بين في وقت الحاجة زال هذا المحظور، وهذا قد بين في آيات كثيرة في القرآن بأن المؤمنين لا يدخلون النار ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] وكل الآيات التي في وعد المؤمنين والمتقين تمنع من دخول هؤلاء في النار وإن كانوا يُعبدون من دون الله.
١٢ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين المشركين يحشرون إلى طريق جهنم، كما أنهم في الدنيا اختاروا طريق أهل النار، فإنهم في الآخرة يجازون بمثل ذلك، فيدلون إلى طريق الجحيم، ويصدون عن طريق أهل النعيم.
[ ٦١ ]