وتأمل قوله (فيما رزقكم الله) يتبين لك أن هذا رزق الله ومع ذلك يحتكره الأسياد عن العبيد ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ وهذا هو محط الاستفهام، والجواب: لا.
وإنَّما قلنا: هذا محط الاستفهام؛ لأنهم شركاء فيما رزقهم الله، لكن بقدر القوت والضرورة، فالعبد يشارك سيده، يأكل ويشرب ويلبس كما يفعل السيد، وهذا كله مشاركة في رزق الله لكن هل هم مساوون لأسيادهم في ذلك؟ لا، إذا كان هكذا فلماذا تساوون غير الله مع الله في عبادته؟ فالمهم أنَّه -﵊- أراد إقامة البرهان على أن هذه الآلهة لا تصح أن تكون آلهة؛ لأنَّها مربوبة لله -﷿- والمربوب عبد لا يصح أن يكون ربًّا.
قال المؤلف: -﵀-[وكانوا نجامين فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم، زعموا التبرك عليه فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد إبراهيم: أخرج معنا ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾. إيهامًا لهم أنَّه يعتمد عليها ليعتمدوه].
قوله -﵀-[قالوا للسيد إبراهيم]. تسمية إبراهيم -﵊- بالسيد فيه نظر، ولو أنَّه قال: إبراهيم الخليل أو الرسول، أما السيد في هذا المقام فممَّا لم يرد، ولا شك أن إبراهيم -﵊- سيد من سادات الخلق، لكن أن نعبر عنه بهذا الوصف عند ذكره -﵊- وندع وصفه بالرسالة أو بالعبودية فهذا فيه نظر.
وهذا الكلام المتقدم الذي ذكر المؤلف أنَّه محذوف من
[ ١٩٧ ]
باب الإيجاز بالحذف يحتاج إلى دليل يثبت أن هؤلاء القوم صنعوا طعامًا ووضعوه عند هذه الأصنام للتبرك عليه، وأنهم أرادوا أن يأكلوه بعد رجوعهم وطلبوا خروج إبراهيم معهم، كل هذا يحتاج إلى دليل، وذكرنا فيما سبق أن قصص الأنبياء السابقين لا يعلمها إلَّا الله ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] فإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نتلقى أخبار هؤلاء إلَّا من الوحي، إمَّا بالكتاب وإما بالسنة، وما جاء من أخبارهم من غير هذا الطَّريق -أي طريق الوحي- فإننا نتوقف فيه ما لم نعلم مناقضته للشرائع، فإن علمنا مناقضته للشرائع وجب علينا رده، فإذًا نقتصر في القصة على ما ذكره الله -﷿-، وأن إبراهيم -﵇- في يوم من الأيَّام نظر نظرة في النجوم من أجل محاجة قومه وإظهار عجزهم، فهو كما ذكر الله -﷾- في سورة الأنعام عن محاجة إبراهيم لقومه لما جنّ عليه الليل رأى كوكبًا فقال: هذا ربي، فلما أفل -أي غاب- قال: لا أحب الآفلين؛ لأنَّ الرب لا يمكن أن يغيب عن مربوبه، فلما غاب هذا النجم علم أنَّه ليس برب، لأن الرب لابد أن يكون له كمال الرِّعاية لمن كان ربًّا له، فلما رأى القمر بازغًا، قال: هذا ربي والقمر أظهر وأبين من الكوكب، فلما أضل قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾. [الأنعام: ٧٧]
وهذا تعريض لقومه بالضلال. فانظر التدرج كيف يكون؟ قال: لا أحب الآفلين، يعني هو تبرأ من ذلك، ثم عرَّض بأن قومه
[ ١٩٨ ]