محفوف برعاية الله ﷾ وحمايته عن الشيطان، والمخلص أشد وقعًا من المؤمن.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ أولئك الضمير يعود على عباد الله المخلصين، وأتى بأولئك الدال على البعد مع قرب ذكرهم ولم يقل: (هؤلاء)، بل قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ تعظيمًا لشأنهم وبيانًا لعلو مرتبتهم. والإشارة بالبعيد تأتي لتعلية الشأن وتعظيمه، كما قال الفرزدق يخاطب جريرًا:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
قال: أولئك آبائي أشار إليهم بإشارة البعيد، تعظيمًا لشأنهم وتعلية لهم.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ (أي عطاء)، قال المؤلف: -﵀-[في الجنة]، والأولى أن تطلق كما أطلق الله -﷿-.
وقد يقال: يجازون أيضًا في الدنيا، لكن ظاهر سياق الآية: ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣)﴾ يدل على أنه المراد الرزق الحاصل لهم في الجنة.
وقوله: ﴿رِزْقٌ﴾ بمعنى عطاء ﴿مَعْلُومٌ﴾، يقول المؤلف: [بكرة وعشيًّا]، فكأنه يشير إلى أن المراد بالمعلوم معلوم الوقت. ولو قيل: إنه أعم فهو معلوم الوقت ومعلوم النوع ومعلوم في الدنيا ومعلوم عند ملاقاته لكان أشمل، فإن هذا الرزق معلوم في الدنيا لأن الله تعالى أعلمنا به وهو أيضًا معلوم الوقت لقوله:
[ ٩٤ ]
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾، [مريم: ٦٢] وهو معلوم العين والنوع إذا لاقوه. كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] فهو معلوم لديهم في الدنيا وكذلك في الآخرة، ﴿فَوَاكِهُ﴾ قال المؤلف -﵀-[بدل أو بيان للرزق وهو ما يؤكل تلذذًا لا لحفظ الصحة]، ﴿فَوَاكِهُ﴾ بالرفع بدل، أو بيان للرزق؛ لأن كلمة رزق أعم من الفواكه، فيكون ﴿فَوَاكِهُ﴾ بدل بعض من كل، لأن الرزق أعم.
﴿فَوَاكِهُ﴾ هنا لم تنون؛ لأنها ممنوعة من الصرف صيغة منتهى الجموع. ﴿فَوَاكِهُ﴾ على وزن فواعل.
وقال المؤلف -﵀- في الفاكهة [هي ما يؤكل تلذذًا لا لحفظ صحة] يعني أن الفاكهة ما يأكله الإنسان للتلذذ لا للتقوت به، فهو عبارة عن أكل كمالي، وهكذا أهل الجنة يأكلون ما يأكلون فيها من باب التفكه لا لحفظ الصحة؛ لأن صحتهم مضمونة، فإن لهم أن يصحوا فلا يسقموا أبدًا، وأن يعيشوا فلا يموتوا أبدًا، فيكون كل ما يأكلونه في الجنة من قسم الفاكهة؛ لأن أهل الجنة؛ كما يقول المؤلف -: [مستغنون عن حفظها -أي حفظ الصحة- بخلق أجسامهم للأبد]. ولهذا جاء في الحديث: "أنهم لا يبولون ولا يتغوطون، وإنما يخرج ما يأكلونه رشحًا -يعني عرقًا- كَريح المسك" (^١) فيتنعمون بهذا الأكل عند أكله وعند خروجه؛ لأنه يخرج رشحًا كرائحة المسك، كما لو طُلِي
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفات الجنة وأهلها. وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا (٢٨٣٥/ ٢٠).
[ ٩٥ ]