الإنسان بالمسك، فإنه يجد لذة ورائحة طيبة.
﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾ بثواب الله في جنات النعيم. وجملة ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾ جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار، يعني هم مكرمون في هذه الجنة من كل وجه من قبل الله -﷿-، يكرمهم الله -﷾- فينظرون إليه، ويعدهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا، ومكرمون من قبل الملائكة، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾.
مكرمون من جهة الخدم ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ مكرمون من كل وجه لا يجدون يومًا من الأيام لحظة من اللحظات شيئًا من الإهانة، بل هم في غاية الإكرام من كل وجه، لو لم يكن إلا أن الله -﷿- أكرمهم وأباح لهم النظر إلى وجهه، ويتحدث إليهم ﷿، وهذا غاية ما يكون من السرور، لا شيء أسر ولا أنعم ولا أفضل من مناجاة الله -﷿-، وهم ينظرون إلى وجهه.
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣)﴾ الجنات جمع جنة، والجنة في اللغة العربية البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك؛ لأنه يجن من فيه، أي يستره ويغطيه، وأصل هذه المادة الجيم والنون أصلها من الستر، ولذلك تجد كل معانيها تعود إلى هذا، فالجنان القلب وهو مستتر، والجنة ما يجتن به المقاتل ويستتر به عن السهام، والجن عالم غيبي مستتر، والجنة بستان مستور بالأشجار، ولكن لا نفسر جنَّة النعيم بهذا، بل نقول: هي "الدار التي أعدها الله لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على
[ ٩٦ ]
قلب بشر"؛ لأنك لو قلت: إنها البستان الكثير الأشجار فإن الشوق إليها والنظر إليها يضعف، إذ إن المخاطب يتصور أن هذه الجنة كبساتين الدنيا، فيجول في بساتين الناس أي بستان أعظم؟ بستان فلان بن فلان فلا يتجاوز قلبه أو يتصوره هذا البستان، مع أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما قال الله -﷿-: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧] وقال الله تعالى في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (^١). فالأحسن أن نفسر جنة الخلد بأنها الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: ﴿النَّعِيمِ (٤٣)﴾ هذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، أي جنات نعيم لا بؤس فيها ولا شقاء، نعيم للقلب وهو السرور، نعيم للبدن لأنهم يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير. فهم منعمون في أبدانهم، ومنعمون فى قلوبهم، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ [الإنسان: ٢١] وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [الإنسان: ١١] فالنضرة في الوجه وهو الحسن، والسرور في القلب، فكان الحسن فيهم ظاهرًا وباطنًا، ولهذا سميت جنة النعيم لتنعم الإنسان فيها ظاهرًا
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب يريدون أن يبدلوا كلام الله (رقم ٧٤٩٨) ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (رقم ٢٨٢٤) (٢، ٣، ٤).
[ ٩٧ ]