فاعله، أي التي قصرت أطرافهن على أزواجهن، يعني أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن، وهذا لا شك أنه من نعمة الله على الزوج، ومن كمال السعادة ألا تنظر المرأة إلى غير زوجها؛ لأنها إذا نظرت إلى غير زوجها فسوف يلقي الشيطان في قلبها مودة هذا المنظور وكراهة الزوج، فإذا كانت قد قصرت طرفها على زوجها فإن هذا من كمال السعادة الزوجية.
ومن وجه آخر أنهن ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي قاصرات أطراف أزواجهن أي أن الزوج لا ينظر إلى سواها، فهو قد قصر طرفه عليها، وذلك لكمالها وحسنها في نظره، وحينئذ يكون لقاصرات الطرف معنيان:
المعنى الأول: أنهن قد قصرن أطرافهن على أزواجهن.
المعنى الثاني: أن أزواجهن قد قصروا أطرافهم عليهن وكلا المعنيين صحيح.
﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء، والمعنى أنهن حسنات العيون، وحسن العين يكون بأمرين:
١ - سعة الأعين.
٢ - حسن الأعين، يعني: أن العين واسعة ومع سعتها فإنها جميلة حسنة. ولا شك أن حسن العين يوجب حسن الوجه ويزيده حسنًا إلى حسن، كالقلادة مثلًا تزيد المرأة حسنًا إلى حسنها، وقال: ﴿كَأَنَّهُنَّ﴾ قال المؤلف: -﵀-[أي في اللون بيض للنعام ﴿مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ مستور بريشه لا يصل إليه غبار، ولونه وهو البياض فيه صفرة أحسن ألوان النساء]. لما وصف هؤلاء النساء
[ ١١٠ ]
بأنهن عين وصف بقية أجسامهن فقال: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ وكأنَّ هذه للتشبيه، والبيض في الآية الكريمة مُنَكَّر، ولكن المؤلف حمله على بيض معين، وهو بيض النعام، وببيض النعام أبيض في صفرة، قالوا: وهذا أحسن ألوان النساء. والذي خصصه ببيض النعام؛ لأن هذا هو المعروف عند العرب.
وقيل: إن البيض مطلق، والمعنى أنهن يشبهن في البياض والرقة البيض، وليس المراد البيض القشور، بل البيض الذي هو بياض البيضة لرقته وبيانه وحسنه، ﴿مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ بما على البيضة من القشرة. وهذا الأخير هو الأقرب لظاهر اللفظ؛ لأن الله -﷿- أطلق قال: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ﴾ ولو كان المراد ما قاله المؤلف -رحمه الله تعالى- بيضًا معينًا لقال: كأنهن البيض المكنون، لتكون "ال" دالة على معهود ذهني، فالصواب أنه عام، وأنهن لرقتهن وبياضهن ونعومة الملمس كأنها البيض أي البياض الذي في البيض وهو مكنون بقشره، أما على رأي المؤلف فهو المكنون بالريش الذي تضعه النعامة على بيضها حتى لا يأتيه الغبار.
الفوائد: يستفاد من هذه الآية:
١ - صفة هذا الخمر أو الكأس من المعين وأنه أبيض، لقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾
٢ - ومن فوائدها: أن خمر الآخرة في غاية ما يكون من اللذة، ووجه ذلك أنه عبَّر باللذة عنه، والتعبير بالمعنى عن المتصف به أقوى من التعبير بالمشتق من ذلك المعنى، فإذا قلنا:
[ ١١١ ]
فلان عدل فهو أقوى من قولنا فلان عادل. ولهذا يرون أن النعت بالمصدر أوكد من النعت باسم الفاعل.
٣ - ومن فوائدها: أنها لذيذة حين الشرب خلافًا لخمر الدنيا فإنها كريهة حين الشرب، ولهذا قال: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾ فتفيد أنهم في هذه الحال يتلذذون بها غاية اللذة. أما خمر الدنيا فإنها كريهة، ولكن الإنسان يتلذذ بها بما ينتج عنها من السكر نسأل الله العافية.
٤ - ومن فوائدها: أن خمر الآخرة ليس فيها ضرر عقلي ولا بدني. قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾.
٥ - ومن فوائدها: أن هؤلاء كما يتلذذون بالشراب، يتلذذون أيضًا بالنساء والزوجات لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾.
٦ - ويستفاد أيضًا: أن هؤلاء النساء حاضرات لا يغبن عن أزواجهن لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أما في الدنيا فإن الزوجات قد يكن عند الإنسان، وقد يغبن باختياره، وقد يغبن بغير اختياره. أما في الجنة فإنهن حاضرات لا يغبن عن أزواجهن لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾.
٧ - ربما نأخذ من هذا أيضًا فائدة: أنهن لا يذهبن إلى غير أزواجهن، وذلك بتقديم الخبر ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾ والمعروف في قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
٨ - ومن فوائدها: كمال أدب هؤلاء النساء لكونهن قاصرات الطرف على أزواجهن.
[ ١١٢ ]
٩ - ومن فوائدها: أن المرأة إذا نظرت إلى غير زوجها فإن ذلك فتنة؛ لأن الله امتدح نساء الجنة بكونهن قاصرات الطرف على أزواجهن.
ويتفرع على ذلك أنه يجب على الإنسان أن يراعي زوجته في هذا الباب بحيث يمنعها من التطلع إلى غيره، سواء كان هذا التطلع إلى الرجل مباشرة، أو بواسطة الوسائل الإعلامية. فيمنعها من مشاهدة مجلات الأزياء الخبيثة التي يحصل بها الشر والفساد.
ويتفرع على هذه الفائدة أيضًا: أن يمنعها من الخروج إلى الأسواق إلا لحاجة؛ لأن المرأة إذا خرجت إلى الأسواق ورأت الناس فربما تعجب بأحدهم ويتعلق قلبها به فتعزف عن زوجها. وينقلب حبها لزوجها ضعيفًا، أو ربما يفقد، لكن نساء أهل الجنة لا ينظرن إلى غير أزواجهن.
١٠ - ومن فوائدها بناء على المعنى الثاني في ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: أن نساء أهل الجنة في غاية الكمال والجمال بحيث لا ينظر الرجل إلى سواها؛ لأنها تقصر طرفه عن غيرها. وهنا ذكر الله -﷿- صفتهن الحسية، ولهن صفة معنوية ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن: ٧٠] خيرات الأخلاق، حسان الأجسام، فتكون نساء أهل الجنة جامعات بين الحسن الظاهر والحسن الباطن.
١١ - ومن فوائدها: حسن أعين هؤلاء النساء لقوله: ﴿عِينٌ (٤٨)﴾ وحسن العين يكون بجمال الشكل والسعة
[ ١١٣ ]