زينة للقصر مع أنها في الواقع ليست لاصقة به، فكل شيء يحول يكون بينك وبين شيء آخر فإنه سيتصف به الشيء الثاني، وسيكون في نظرك ملاصقًا له.
قال تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ يقول المؤلف: [حفظًا منصوب بفعل مقدر: أي حفظناها بالشهب] أي حفظنا السماء الدنيا حفظًا. بالشُّهُب كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] وقال هنا: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ (من كل) قال المؤلف: [متعلق بالمقدر -وهو حفظناها- (شيطان مارد) عاتٍ خارج عن الطاعة]، شيطان نكرة يشمل كل شيطان، بل هو نكرة مضافة إليه (كل) فيكون فيه نوعان من أسباب العموم وهو التنكير وإضافة (كل) إليه.
وشيطان قيل إنه مأخوذ من شاط يشيط، وعلى هذا فالنون زائدة. وقيل: إنه من شطن بمعنى بَعُدَ، فالنون أصلية، وهذا هو الظاهر أن النون أصلية وهو مأخوذ من شطن إذا بعد؛ لأن الشيطان قد بَعُدَ من رحمة الله، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ [الحجر: ٣٥].
وقوله: (مارد)، المارد هو العاتي القوي العتو، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ قال المؤلف -﵀-: [أي الشياطين مستأنف وسماعهم هو في المعنى المحفوظ عنه]، ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ الجملة -كما قال المؤلف- استئنافية، يعني أن الشياطين المردة لا يسمعون إلى الملأ الأعلى. هذه الجملة المستأنفة هي في المعنى المحفوظ عنه في قوله ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ
[ ٢٦ ]
شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ عن سماعهم إلى الملأ الأعلى، يعني أن السماء حفظت من الشياطين ألا يسمعوا إلى الملأ الأعلى ﴿الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ الملائكة في السماء، وعُدِّي قال المؤلف: [السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء].
الملأ في الأصل الجماعة، ويطلق في الغالب على الأشراف، كما يمر كثيرًا في المكذبين للرسل أن الله يقول: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾، فالغالب أن الملأ هم الجماعة الأشراف والأعيان في قومهم.
ولا ريب أن الملائكة -عليهم الصلاة والسلام- أشراف؛ لأنهم عباد مسخرون لعبادة الله لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، منهم من أقوم عباد الله في طاعة الله وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد هل هم أفضل من البشر، أو البشر أفضل منهم. وهنا يقول: ﴿الْأَعْلَى﴾، أي الأعلى مكانًا، فإن السماء أعلى من الأرض، ويمكن أن يراد به الأعلى وصفًا فيجمع بين الأمرين، كما أن الله -﷾- إذا وصف بالأعلى فهو الأعلى مكانًا والأعلى وصفًا.
قال: [وعُدّي السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء]، هذا جواب عن سؤال مقدر، وهو أن ﴿سَمِعَ﴾ في اللغة العربية تتعدى بنفسها، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١] وهنا قال: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ﴾ ولم يقل: لا يسمعون الملأ، أجاب المؤلف عنه بأن الفعل ضمن معنى الإصغاء، والتضمين معناه أن يكون الفعل متضمنًا لمعنى يناسب المعمول، سواء كان
[ ٢٧ ]
مفعولًا به أو مجرورًا، وهل التجوز إذا جاء مثل هذا التعبير هل يكون التجوز بالفعل أي أنه ضمن معنىً يناسب المعمول الذي تعدى إليه الفعل، أو أن التجوز في الحرف. ذكر أهل النحو في ذلك قولين:
القول الأول: وهو للكوفيين أن التجوز في الحرف.
والقول الثاني: أن الفعل متضمن معنى يناسب الحرف المتعدي إليه.
وأبين مثال لذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. [الإنسان: ٦] لو أننا أخذنا بظاهر اللفظ لكان المعنى أن هذه العين يُشرب بها، ومعلوم أن العين لا يمكن أن يشرب بها، لأنه لا يشرب إلا بالإناء من العين، فالعين لا يُشرب بها وإنما يشرب منها، فهل نقول: إن الباء هنا بمعنى (من) فيكون تجوز بالحرف، أو نقول: أن يشرب متضمن معنى يروى ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي يروى بها عباد الله بعد شربهم منها، ذكرنا في هذا قولين لأهل العلم، ولا ريب أن جعل التضمين في الفعل أولى من جعله في المعمول؛ لأنك إذا جعلت التضمين في الفعل استفدت فائدتين:
الفائدة الأولى: ما دل عليه لفظ الفعل.
الفائدة الثانية: ما دل عليه معنى الفعل المتضمن إياه.
أما إذا جعلت التجوز في الحرف فإنك لا تستفيد إلا معنى واحدًا، وهو نزع الحرف وإحلال حرف آخر مكانه، ولم نستفد شيئًا ويبقى الفعل على ما هو عليه بمقتضى دلالة اللفظ، فالحاصل أن القول بأن الفعل يتضمن معنى يناسب الحرف، أو
[ ٢٨ ]