العظيم، فإذا قيل: ما هو الفوز؟ قلنا: إن الفوز هو حصول المطلوب وزوال المرهوب.
وقوله: ﴿الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ مأخوذ من العظمة، لأنه لا فوز أعظم من ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وبهذه المناسبة أنبه إلى أن ضمير الفصل له ثلاث فوائد:
١ - التوكيد.
٢ - الحصر.
٣ - التمييز بين الخبر والصفة، لأنك إذا قلت مثلًا: (زيد فاضل) فإن الفاضل يحتمل أن تكون صفة وتكون خبرًا، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل) تعين أن تكون خبرًا، وحصل بذلك التمييز بين الخبر والصفة، ثم قال -﷿-: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ لمثل هذا المشار إليه ما ذكر من النعيم، وقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ قال بعضهم: إن (مثل) هنا زائدة أي: لهذا فليعمل.
وقيل: بل هي غير زائدة أصلية، وأن (مثل) يؤتى بها للتعظيم والمبالغة، فإذا كان الإنسان يطلب منه أن يعمل العمل لمثل هذا، فما بالك بنفس هذا.
يقولون: إن المثل ملحق بمثيله إلحاقًا، كالمشبه ملحق بالمشبه به. فمرتبة المشبه به أعلى من مرتبة المشبه.
المثيل الذي قيل هذا مثل هذا أعلى من مماثله، لأنك إذا قلت هذا مثل هذا، فقد ألحقت الأول بالثاني. فإذا قيل لمثل هذا وصار الإنسان مطلوبًا منه أن يعمل لمثل هذا الشيء، فطلبه أن
[ ١٣١ ]
يعمل لهذا الشيء نفسه من باب أولى. فيقولون: إن هذا من باب التوكيد، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. [الشورى: ١١].
فإن مثل ليست بزائدة، ولكنه جئ بها للمبالغة إذا كان مثله ﷾لو فرض له مثل- لا يماثله شيء، فما بالك به هو نفسه؟ فيكون هذا من باب التوكيد.
إذًا: (لمثل هذا) نقول هذا من باب التوكيد والمبالغة أي: أن الإنسان مطلوب منه أن يعمل لمثل هذا، فكيف بنفس هذا الشيء، فتكون مثل على هذا ليست بزائدة، بل هي أصلية، وفائدتها، التوكيد والمبالغة. ولهذا يقال للشخص: مثلك لا يبخل، ويريدون هو لا يبخل لكن أتوا بمثل من باب المبالغة يعني إذا كان المتشبه بك لا يبخل فأنت: من باب أولى وأحرى، فمثل هذا التركيب في اللغة العربية يقصد به المبالغة وليس هناك زيادة.
إذا لمثل هذا الفوز العظيم النبيل والنعيم العظيم ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ و(الفاء) عاطفة و(اللام) لام الأمر.
وقوله: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ أى: بشرع الله فإن هذا لو تذهب فى النفوس والأنفاس والنفائس لكان ذلك رخيصًا فى جانب هذا الفوز العظيم. فالواحد منا يسعى جهده ليحصل الدرهم والدينار فيشبع فى بطنه، ويكسو به عورته، وينعم به بدنه ذلك النعيم الزائف الزائل، وتجده يسهر في الليل ويتعب فى النهار من أجل الوصول إلى هذا الغرض لكن ثواب الآخرة أعظم
[ ١٣٢ ]
وأعظم ومع ذلك فعملنا قليل، وقد وبخنا الله -﷿- بقوله-: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧] فالذي ينبغي له العمل حقيقة بل الذي يجب على العاقل أن يعمل له هو ثواب الآخرة.
وهذه الآية ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ كقوله تعالى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٦] هذا هو محل التنافس، وهذا هو محل العمل، وهو الجدير بذلك.
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ قال المؤلف -﵀-: [قيل: يقال لهم ذلك، وقيل هم يقولونه] وعلى كل حال فسواء هم الذين يقولونه، أو يقال لهم فإنه يفيد أن هذا الجزاء وهذا النعيم، وهذا الفوز هو الذي ينبغي أن تفنى فيه النفوس والأنفاس والنفائس.
الفوائد:
١ - أن التحدث بنعمة الله -﷿- مشروع ومأمور به بشرط أن يكون المقصود به الثناء على الله تعالى لا الافتخار على عباد الله.
٢ - ومن فوائدها: أن نجاة الإنسان من عذاب الله من أكبر النعم، ولهذا قال ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ ويدل ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا﴾ [المائدة: ٣] حيث جعل إكمال الدين من إتمام النعمة، وبالدين تكون النجاة من النار والفوز بدار القرار، فمن أكبر النعم بلا شك بل هي أكبر النعم أن يمن الله على الإنسان بالنجاة من النار ودخول الجنة.
[ ١٣٣ ]
٣ - ومن فوائدها: أن هذا المؤمن قال: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ فأضاف الربوبية إلى الله، وهذه الربوبية من الربوبيات الخاصة، وقد مرَّ علينا أن الربوبية عامة وخاصة، وقد اجتمع في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾ [الشعراء: ٤٧ - ٤٨] الأولى عامة، والثانية خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي تربية أخص من الربوبية العامة، لأن الله تعالى يربي هذا العبد تربية خاصة أكثر من الربوبية العامة.
٤ - ومن فوائدها: جواز إضافة الشيء إلى سببه، لقوله: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ ولم يقل: ولولا ربي.
لكن قد يقول قائل: إن نعمة الله ﷿ إذا كان المراد بها فعل الله فهي من صفات الله فإضافة الشيء إليها كإضافته إلى الله، لقول النبي -﵊-: "إلا أن يتغمدني الله برحمته" (^١). لكن إضافة الشيء إلى سببه على أقسام:
القسم الأول: أن يكون السبب معلومًا حقيقة حسًا أو شرعًا فنقول مثلًا: لولا فلان أنقذني من الغرق لهلكت. ولا بأس بذلك، لكن بشرط أن تشعر في قلبك أن فلانًا قد سخره الله لك ولم يستقل بفعله، ومن ذلك أي: من إضافة الشيء إلى سببه المعلوم قول النبي -﵊- في عمه أبي طالب: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (^٢) فقال: "لولا أنا"
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل (رقم ٦٤٦٣) ومسلم، كتاب صفات المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى (رقم ٢٨١٦) (٧١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب (رقم ٣٨٨٣)، ومسلم =
[ ١٣٤ ]
فأضاف الشيء إلى السبب المعلوم.
القسم الثاني: أن نضيف الشيء إلى الله تعالى وإلى سببه المعلوم فهذا جائز، ولكن بشرط أن يكون معطوفًا بحرف لا يقتضي التسوية، فلا يقول: لولا الله وفلان؛ لأن هذا شرك، لقول النبي -﵊- للرجل الذي قال له ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندًا؟ " (^١) لأن الواو تقتضي التسوية، فلا يجوز أن يسوى غير الله بالله، بل هو شرك، لكنه شرك أصغر إن كان شركًا لفظيًا، وأكبر إن اعتقد أن هذا السبب مساوٍ لله -﷾- في حصول المسبب؛ لأنه إذا جعل شيئًا غير الله مساويًا له فهو شرك أكبر.
أما إذا أضيف بحرف لا يقتضي التسوية بل يقتضي الترتيب، فهذا نوعان: نوع جائز لا إشكال فيه، ونوع فيه بعض الشبهة، فإذا عطف بثم مثل: لولا الله ثم فلان فهذا جائز لا إشكال فيه؛ لأنك جعلت فلانًا تابعًا تبعية متأخرة، حيث عطفته بثم الدالة على التراخي.
أما إذا عطفته بفاء التي تقتضي الترتيب والتعقيب مثل: لولا الله ففلان. فهذا محل نظر، لكن الأقرب أنه جائز؛ لأنك أتيت بالفاء الدالة على الترتيب.
القسم الثالث: أن تضيفه إلى الله -﷿- وحده،
_________________
(١) = في كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه (رقم ٢٠٩) (٣٥٧).
(٢) (أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (رقم ٩٨٨)، وأحمد في المسند (١/ ٢١٤، ٢٨٣، ٣٤٧).
[ ١٣٥ ]
وتغفل السبب بالكلية، فتقول: لولا الله لهلكت فهذا جائز.
القسم الرابع: أن تضيفه إلى الله بذكر السبب وتبين أن السبب مجرد سبب، مثل أن تقول: لولا أن الله أنقذني بفلان لهلكت، فهذا جائز.
القسم الخامس: أن يضيفه إلى سبب غير معلوم لا شرعًا ولا حسًّا فهذا شرك، لكن قد يكون أكبر وقد يكون أصغر.
فإذا قال: لولا فلان، يعني صاحب القبر أنقذني لهلكت فهذا شرك أكبر؛ لأن فلانًا لا يستطيع أن ينقذ.
وإن أضافه إلى سبب غير معلوم شرعًا ولا عرفًا ولا حسًّا لكنه ليس كالأول مثل: التمائم المعلقة على المريض من غير القرآن، فهذا شرك لكنه أصغر وليس بأكبر.
وهذا ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ إذا كان المراد بذلك فعل الله فهو من باب إضافة الشيء إلى فعل الله، وهو كإضافته إلى الله -﷿-.
وإن كان المقصود بذلك المنعم به فهو إضافة إلى شيء مخلوق، لكنه سبب صحيح، وإضافة الشيء إلى سببه الصحيح جائز.
٥ - ومن فوائد الآيات: أن أهل الجنة لا يموتون فيها، لقوله: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ وهذا غاية ما يكون من النعيم، نعيم لا يشوبه تنغيص؛ لأن نعيم الدنيا مهما بلغ يشوبه التنغيص: إذا ذكر الإنسان أن هذا النعيم سوف يزول، أو يزول هو عنه، لا شك أنه يتكدر عليه صفوه، ولهذا قال الشاعر:
[ ١٣٦ ]
لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادّكار الموت والهرم
مادام الإنسان يتذكر إما موت وإما هرم فإن العيش لن يطيب له، لكن من نعمة الله أن الإنسان يغفل عن هذا الشيء ولا يتذكر إلا الحالة التي هو عليها. لكن العاقل يكون حازمًا فيعمل لمستقبله.
فإذا قال قائل: هل لهذه الآية نظير في القرآن؟
فالجواب: نعم، قوله ﷿: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾ [الدخان: ٥٦] والاستثناء في هذه الآية كالاستثناء في الأولى، أي أنه منقطع. يعني لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.
وقد يقول قائل: إن الاستثناء فيها متصل. وإذا قيل ما وجهه؟ قلنا: إن قوله: ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ استثناء من حال هؤلاء الذين قال الله عنهم: إنهم لا يذوقون الموت، لأن نعيم أهل الجنة متصل آخره بأوله، فإن أهل الجنة منعمون حتى في الدنيا. لقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧] فلا تظن أن الحياة الطيبة للمؤمنين في الآخرة فقط، بل هي في الآخرة وفي الدنيا أيضًا. لكن المشهور أن الاستثناء منقطع.
٦ - من فوائدها: انتفاء التعذيب عن أهل الجنة ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ ومن المعلوم أن هذه صفة سلبية، والصفة السلبية
[ ١٣٧ ]
في مقام المدح لابد أن تتضمن ثبوتًا؛ لأن الصفة السلبية في غير مقام المدح ليست مدحًا، فإنه قد يقال: الجدار لا يُعذب. وليس في هذا مدح للجدار. فلابد أن تكون هذه الصفة متضمنة لثبوت كمال، فما هو كمال النعيم؟ لما ذكروا انتفاء الموت فزال عنهم التنغيص به ذكروا أيضًا انتفاء التعذيب؛ لأن الإنسان قد يبقى في حياته معذبًا، فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ لكمال حياتهم وكمال نعيمهم، أنهم لا يلحقهم مع البقاء تعذيب.
٧ - من فوائد قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ أن الفوز حقيقة هو الوصول إلى دار كرامة الله -﷿- فيترتب على هذه الفائدة: أن الإنسان مهما فاز في الدنيا فإن فوزه ليس بشيء بالنسبة إلى فوز الآخرة، لأنه قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾.
ولهذا نظير في القرآن مثل قوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] هذا الفوز ليس بحصول المال ولا الجاه ولا الرئاسة ولا بحصول الأولاد ولا الزوجات، الفوز حقيقة هو الوصول إلى دار النعيم المقيم. أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن وصلها.
٨ - ومن الفوائد: أن الذي ينبغي أن يعمل له العامل، ويكدح له الكادح، ويتعب فيه التاعب هو هذا النعيم، لقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ فغيره لا تعمل ولا تتعب نفسك في أمر لا ينفعك في الآخرة، وليس معنى هذا أن نقول: لا تعمل
[ ١٣٨ ]
للدنيا، بل اعمل للدنيا لكن اجعل عملك في الدنيا من أعمال الآخرة.
فكيف يمكن هذا؟ يمكن تطلب المال من أجل أن تتعفف به عن الناس، من أجل الإنفاق على أهلك، تطلبه من أجل الصدقة به، تطلبه من أجل الاستعانة به في طلب العلم، تطلبه من أجل الجهاد في سبيل الله، فيكون طلب الدنيا طلب الآخرة ويكون هذا العمل عملًا للوصول إلى الجنة.
٩ - ومن فوائدها: وصف غير الله تعالى بالعظم فيقال العظيم للشيء العظيم، أيًّا كان، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النمل: ٢٣] ويدل عليه أيضًا أن الله وصف العرش بأنه عظيم ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل: ٢٦] وعلى هذا فالصفات التي يشترك فيها الخالق والمخلوق لا بأس أن يوصف بها المخلوق، ولكن يجب أن يعلم بأن بين وصف المخلوق بها ووصف الخالق بها كما بين ذات الخالق وذات المخلوق، وأنه لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاتفاق في المسمى.
١٠ - ومن الفوائد: سفه أولئك القوم الذين يعملون للدنيا دون الآخرة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ فالذين يعملون للدنيا وهم في غفلة عن الآخرة لا شك أنهم سفهاء، وأنهم أمضوا أعمارهم فيما ليس فيه فائدة، بل فيما فيه خسارة، وقد قال الله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ
[ ١٣٩ ]
دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾ [المؤمنون: ٦٣] يحكي الله تعالى عن الكفار بأن قلوبهم في غمرة، يعني مغمورة، وأتي بفي الدالة على الظرفية، للدلالة. على أن الغمرة -والعياذ بالله- قد أحاطت بهذه القلوب، في غمرة من هذا، لكن أعمال الدنيا ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾. لا يعملون لغيرها وهي من دون ذلك، وأتى بمن الدّالة على البعد في الدون عما خلق له الإنسان، هؤلاء قلوبهم في غمرة مما وعد الله به أهل الجنة، وتوعد به أهل النار، لكن أعمال الدنيا التي هي دون ذلك بمراحل كثيرة هم لها عاملون وهذا كقوله تعالى في توبيخ من يعذب يوم القيامة: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق: ٢٢] في الدنيا في غفلة عن اليوم الآخر، ولا كأن هذا اليوم سيأتي، أما اليوم فقد كشف عنك الغطاء، فبصرك حديد قوي، تبصر الأشياء على حقيقتها في الآخرة، فهنا أمر الله أن نعمل لهذا، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ وأما ما دون هذا فلا ينبغي للإنسان اتعاقل أن يفني عمره ويتعب جسده وفكره في العمل له.
فإذا قال قائل: هل معنى ذلك أن أترك العمل للدنيا؟ فالجواب، لا. ولو قلنا بهذا لكان قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥] وكان قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٥] وكان قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] كل هذا كلام عبث ولغو، بل نقول: اعمل للدنيا، لكن الموفق يستطيع أن
[ ١٤٠ ]
يجعل عمل الدنيا عملًا للآخرة. والغافل بالعكس يجعل عمل الآخرة عملًا للدنيا.
١١ - ومنها أن أهل الجنة لا ينامون؛ لأن النوم يحتاج إليه الإنسان من أجل أن يستعد لنشاط المستقبل، وأن يستريح من تعب الماضي، وأما أهل الجنة فلا ينامون لكمال حياتهم، فليس عندهم تعب، ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨] فهم لا ينامون لأنهم لا يحتاجون إليه، ولأن النوم يصد عن النعيم والتنعم بما أعد الله لهم.
١٢ - ما أشرنا إليه آنفًا في قوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾:
أنه ينبغي للعاقل أن يذهب أنفاسه ونفيسه ونفسه في العمل لهذه الغاية الحميدة، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾.
١٣ - ومن فوائدها: الإشارة إلى أن العمل لغير هذا ليس من الحكمة وليس من العقل، بل العقل والحكمة يقتضي أن يكون عمله للغاية العظيمة: للوصول إلى الجنة.
١٤ - في الآية رد على الجبرية حيث وجه الأمر إليهم ونسب العمل إليهم؛ لأن الأمر بالشيء لمن لا يستطيعه لا شك أنه ظلم وتكليف بما لا يطاق، وإثبات العمل أيضًا لمن لا إرادة له يعتبر مدحًا لغوًا، لأن هؤلاء إذا كانوا مجبرين فلا ينبغي أن يُمدحوا على محبوب ولا أن يذموا على مكروه.
[ ١٤١ ]
قال الله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ قال المؤلف -﵀-: [المذكور لهم ﴿خَيْرٌ نُزُلًا﴾ وهو ما يعد للنازل من ضيف وغيره ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾].
(أم) هنا متصلة و(أم) المتصلة هي التي تذكر بين متعادلين، ويحل محلها "أو".
والمنقطعة التي تذكر يينِ شيئين متجانبين، ويحل محلها "بل" مثل ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾. قوله ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾ بمعنى بل، أي: لا تأمرهم أحلامهم بهذا، ولكن هم قوم طاغون.