﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾، قال المؤلف: [وتقول لهم الملائكة هذا يوم الدين] فجعل المفسر -﵀- (هذا يوم الدين) من كلام الملائكة.
ولكن الصحيح أنه من كلام المنكرين يعني أنهم في ذلك اليوم يقرون بيوم الدين، ولكن لا ينفعهم الإقرار حينئذ، فهم يقرون بهذا اليوم إذا شاهدوه، ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ المشار إليه الوقت الذي هم فيه ذلك اليوم الحاضر، والدين يعني الجزاء، واعلم أن الدين يطلق على الجزاء، ويطلق أحيانًا على العمل، فقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦] المراد به العمل، وقوله تعالى: ﴿مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٨ - ١٩] المراد بالدين الجزاء.
وهنا ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ المراد به الجزاء، أي هذا يوم الجزاء، قال ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾.
الجملة هذه يحتمل أن تكون من كلامهم، ويحتمل أن تكون من كلام الملائكة، فإن كانت من كلامهم فالمعنى أن بعضهم يقول لبعض: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ توبيخًا وتقريعًا وتنديمًا.
وإذا كان من كلام الملائكة فلا إشكال فيه، لأنهم يخاطبون قومًا يكذبون به، وقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ بعد ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ لأنه إذا أدين الناس وحوسبوا وجوزوا انفصلوا، انفصل بعضهم عن بعض: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
[ ٥٤ ]
قد يفصل بين المرء وأبيه، وبين المرء وأمه، وبين المرء وأقاربه: هؤلاء في الجنة وهؤلاء إلى النار. فإذًا سُمي يوم الفصل؛ لأنه يفصل فيه بين الخلائق، فيصرف قوم إلى النار، ويصرف قوم إلى الجنة. وسُمِّي يوم الفصل (أيضًا) لأنه يفصل بين الخلائق بالحكم بينهم بالعدل، بأخذ حق المظلوم من الظالم، كما يفصل القاضي في الدنيا بين المتخاصمين، فيعطي المظلوم حقه من الظالم.
وقوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ كنتم أي فيما مضى، أما الآن فيصدقون به؛ لأنهم قالوا: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ لكن فيما مضى يكذبون بهذا اليوم، ويقولون: كيف يمكن أن تبعث الخلائق بعد أن كانوا عظامًا وترابًا؟ !
فإذا قال قائل: ما الفائدة من قوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾؟
قلنا: الفائدة من أجل زيادة التحسر على هؤلاء؛ لأنهم إذا قيل لهم: الذي كنتم به تكذبون فسوف يتحسرون ويقولون: يا ليتنا لم نكذب، فيكون في هذا زيادة ألم في نفوسهم، ومن جهة أخرى: التوبيخ لهؤلاء ولومهم على تكذيبهم حيث كذبوا بالحق، ففي ذلك فائدتان:
الفائدة الأولى: زيادة التحسر فيه.
والفائدة الثانية: التوبيخ واللوم على تكذيبهم بالحق.
قال المؤلف -﵀-: [ويقال للملائكة: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قرناءهم من الشياطين
[ ٥٥ ]