السفه، ولكن -والعياذ بالله- الإنسان إذا أعمى الله بصيرته لا يغنيه بصر العين، وكانوا في الجاهلية يفعلون شبه هذا الفعل، كانوا إذا نزلوا أرضًا في سفر جمعوا أربعة أحجار، ثلاثة منها للقدر، وواحدًا للعبادة، فصار هذا الحجر المعبود مساويًا لمناصب القدور، وبعضهم كانوا يعجنون إلهًا من العجوة يعني من التمر، بعبدونه من دون الله، فإذا جاعوا أكلوه، ولم يقولوا: أطعمنا، أو هيئ لنا طعامًا. هو نفسه يؤكل، هذا من السفه، كذلك قوم إبراهيم -﵇- صنعوا أصنامًا بأيديهم ثم صاروا يعبدونها.
وقول المؤلف: -﵀-[أصنامًا] إشارة إلى أن ﴿تنحتون﴾ تنصب مفعولين: أحدهما: العائد للموصول الذي تقديره: ما تنحتونه، والثاني: هذا المحذوف الذي قدره المؤلف: أتعبدون ما تنحتون أصنامًا.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعمَلُونَ﴾ قال المؤلف -﵀-[من نحتكم ومنحوتكم فأعبدوه وحده، وما مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة].
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ إذا كان الله هو الخالق فهو أحق بالعبادة، هل الأحق بالعبادة من خلقكم أو من خلقتموه؟ من خلقكم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ قول المؤلف: [من نحتكم ومنحوتكم].
أتى -﵀- بالمصدر وأتى باسم المفعول من نحتكم إشارة إلى أن (ما) يجوز أن تكون مصدرية، ويجوز أن تكون
[ ٢٠٣ ]
موصولة، فإذا جعلناها مصدرية صار التقدير: من نحتكم، وإذا جعلناها موصولة صارت: من منحوتكم.
وإذا جعلنا التقدير: والله خلقكم وعملكم، صارت (ما) مصدرية. وإذا جعلنا التقدير: والله خلقكم ومعمولكم، صارت (ما) موصولة. وإذا جعلنا (ما) موصولة فلابد من عائد يعود على (ما) وهو في الآية محذوف؛ أي: وما تعملونه، واللازم واحد على الاحتمالين، فإذا قلنا: إن المعنى "والله خلقكم وعملكم" فإن خالق العمل خالق للمعمول. وإذا جعلنا المعنى "والله خلقكم ومعمولكم"، فإنه إذا كان الله قد خلق المعمول وهم الذين باشروا عمله دل ذلك على خلق العمل وخلق العامل أيضًا.
وعلى كل تقدير ففي الآية إقامة الحجة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون معبودة؛ لأنها معمولة، وقوله: [وقيل: موصوفة]. الموصوفة هي التي يعبر عنها بالنكرة بالموصوف. يعني خلقكم وصنمًا تعملونه، أو وأصنامًا تعملونها، ولا نقول: والذي تعملون بل نقول: وأصنامًا تعملونها، وأفادنا المؤلف الآن أن لـ (ما) ثلاثة معانٍ: أن تكون مصدرية، وموصولة، وموصوفة، وهذه ثلاثة من عشرة لأن (ما) لها عشرة معاني.
محامل ما عشر إذا رمت عدها فحافظ على بيت سليم من الشعر
ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها بكف ونفي زيد تعظيم مصدر
(ستفهم) الاستفهامية مثل: ما هذا؟
[ ٢٠٤ ]
(شرط) الشرطية ﴿وَمَا تَفعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يعْلَمْهُ اللَّهُ﴾. [البقرة: ١٩٧] (الوصل): موصولة.
(فاعجب): التعجبية مثل: ما أحسن هذا! !
(لنكرها): النكرة الموصوفة. أو النكرة الواصفة.
تقول: مررت بما معجب لك، أي بشيء معجب لك.
وتقول: عرفته نوعًا ما، يعني نوعًا قليلًا، فهي نكرة واصفة.
(بكف) كافة مثل: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فهنا كفت (ما) عن العمل.
(ونفي): نافية: ما حضر زيد.
(زيد): زائدة ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] ويا طالبًا خذ فائدة: ما بعد إذًا زائدة.
(تعظيم) يعني أنها تأتي للتعظيم، وهذه غير التعجب مثل أن تقول: مررت بما مذهل، أي بعظيم مذهل.
وربما نقول: إن ما التعجبية فيها نوع من التعظيم فإنها تدل على التعظيم والتعجب.
(مصدر): المصدرية ومنه هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعمَلُونَ﴾. [الصافات: ٩٦].
فهذه محامل (ما) عشرة وينبغي لطالب النحو أن يحفظ مثل هذه الأبيات، لأنه تحصل له المعاني.
الفوائد:
١ - ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣)﴾ من فوائد هذه الآية
[ ٢٠٥ ]
وما بعدها: أن أصل دين الأنبياء واحد، فكلهم شيعة للآخر مقوٍّ لدعوته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
أي: رسول كان إِلَّا نوحي إليه أنه لا إله إِلَّا أنا فاعبدون.
٢ - أن الأنبياء وإن طال الزمن بينهم، فإنهم إنما يأتون بالوحي من الله، لأنه إذا طال الزمن تناسى الناس العهد واضمحل وانتهى، ولكن إذا كان بوحي من الله فإنه يتجدد بحسب تجدد هذا الوحي لأن بين إبراهيم ونوح أزمانًا طويلة.
٣ - ومن فوائدها: الثناء على إبراهيم، -﵇- ووجهه أنه كان شيعة لمن كان يدعو إلى توحيد الله -﷿-، وكل من كان شيعة لمن يدعو إلى الله فإنه بلا شك محل ثناء.
٤ - ومن فوائد قوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ الثناء على إبراهيم أيضًا بكونه جاء الله -﷾- بقلب سليم، وهذه الصفة وإن كانت سلبية لكنها تتضمن كمالًا، لأن القلب إذا سلم من الشبهات والشهوات صار خالصًا لله تعالى: قصدًا وإرادة وعملًا، ففيها الثناء على إبراهيم بسلامة القلب.
٥ - ومن فوائدها: عناية الله -﷾- بإبراهيم، -﵇- وذلك بإضافة الربوبية إليه ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ وهذه ربوبية خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي عناية أكثر من الربوبية العامة، لأن المربوبين بالربوبية العامة شملتهم الرحمة العامة، لكن الربوبية الخاصة يكون لهم الرحمة الخاصة.
٦ - ومن فوائد قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾
[ ٢٠٦ ]
بيان قوة إبراهيم -﵊- وأنه لم تأخذه في الله لومة لائم، لأن رجلًا يخاطب أباه وقومه بهذه العبارة قوي في ذات الله -﷿-، إذ إن العادة أن الإنسان يحابي أباه وقومه، لكن إبراهيم -﵊- لم يحابهم، بل أنكر عليهم، وقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾.
٧ - ومن فوائدها: أن قرب النسب من أهل الخير لا يفيد الإنسان شيئًا، فإبراهيم بالنسبة لأبيه أقرب شيء لأنه بضعة منه، ومع ذلك لم ينتفع به أبوه، بل كان مشركًا، يحاج ولده على ذلك، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٤، ١٥] فهذا يدل على تباين ما بين الابن والأبوين، حتى إنهما ليجاهدانه على الإشراك بالله، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿عِلْمٌ فَلَا﴾.
٨ - ومن فوائدها: صحة نسبة القوم إلى الرسول وإن كذبوه، لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ والانتساب بالنسب لا يعني التبرؤ من الدين فيصح أن ينتسب الإنسان إلى أبيه الكافر، ولا يقال: إن هذا من باب الموالاة، بل هذا من باب الحقيقة، والنسب لا يزول باختلاف الدين أبدًا، وانظر إلى قوله تعالى للنبي - ﷺ -: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] فأضافهم إليه مع نسبة تكذيبه إليهم، وهذا يدل على أن الإنسان قد يكون من قوم كافرين وينسب إليهم، وأن ذلك لا يخدش في دينه.
٩ - ومن فوائدها: سفه هؤلاء القوم حيث كانوا يعبدون مع
[ ٢٠٧ ]
الله غيره، ولهذا أنكر عليهم من كان من أعقل الخلق إبراهيم -﵊- فقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾؟ وقد أرشد الله إلى هذا في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وملة إبراهيم هي الحنيفية المبنية على الإخلاص، فكل من خالف ذلك فقد سفه نفسه، أي: أوقعها في السفه، الذي هو ضد الرشد والعقل.
١٠ - ومن فوائد قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ أن كل من زعم أن مع الله إلهًا يعبده فهو آفك كاذب، لقوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾.
١١ - ومن فوائدها: أن دعوى كون هذه آلهة لا يعطيها سمة الألوهية؛ لأن الكذب لا يقلب الحقائق عن أصلها، فلو قلت مثلًا: قدم زيد، وهو لم يقدم لم يكن قادمًا، فهذه الآلهة وإن جعلوها آلهة لن تكون آلهة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣].
١٢ - ومن فوائدها: أن عابدي الآلهة من دون الله يقصدونها قصدًا حقيقيًّا بقلوبهم، كما يتجهون إليها بجوارحهم ولهذا قال: ﴿دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾.
فليسوا يعبدونها مجرد عادة، ولكنهم يعبدونها قصدًا وعبادة، حتى إنهم نسوا الله -﷿-.
١٣ - ومن فوائد قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بَربِّ العَالَمَينَ﴾؟ الإنكار الشديد من إبراهيم -﵊- على قومه،
[ ٢٠٨ ]
حيث سألهم موبخًا لهم: ما الذي تظنونه برب العالمين إذا عبدتم غيره؟ هل تظنونه ناقصًا لا يستحق أن يعبد وحده؟ هل تظنونه غافلًا عن عملكم فيدعكم بدون عقوبة؟ هل تظنونه يرضى بأن يُعبد معه غيره؟ كل هذا لم يكن، فظنكم ظنٌّ خاطئ.
١٤ - ومن فوائدها: عموم ربوبية الله -﷾- لقوله: ﴿بَربِّ العَالَمِينَ﴾.
١٥ - ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخصم بما لا ينكره لقوله: ﴿بَربِّ العَالَمِينَ﴾ لأن العالم تشمل حتى آلهتهم التي يعبدونها، فإذا كانت آلهتهم مربوبة فكيف يمكن أن تكون معبودة؟ هذا تناقض، وقد مرّ علينا أن من أقر بانفراد الله بالربوبية لزمه أن يقر بانفراده بالألوهية وإلا صار متناقضًا. إذ لا يستحق العبادة إِلَّا الرب الخالق المالك المدبر، ومن لم يكن كذلك فإنه لا يستحق أن يُعبد.
١٦ - ومن فوائدها: أن الخلق علم وآية ودليل على خالقهم، والخلق باعتبار كونه آية على وجود الله وقدرته وكمال سلطانه وتدبيره أمر معلوم، لكن قد يكون آية على معنى خاص، فمثلًا نزول المطر آية على الرحمة، والنكبات والخوف والنقص في الأموال والأنفس آية على عقوبته وغيرته وانتقامه ممن عصاه، فهناك معنىً عامًا تشترك فيه جميع الآيات، وهو كونها دالة على وجود الخالق -﷿- وكمال ربوبيته وسلطانه، وأنه لا يعارضه شيء من هذه المخلوقات.
وهناك معنىً خاصًّا للآية وما تدل عليه بعينها، كدلالة
[ ٢٠٩ ]
الغيث على الرحمة، ودلالة الجدب على الانتقام ممن عصاه.
١٧ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظرَةً فِي النُّجُومِ﴾ جواز التورية، وهي أن يظهر للمخاطب ما لا يريده، ويفهم منه المخاطب معنىً غير المراد، والتورية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون جائزة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون محرمة، فتجري فيها الأحكام الخمسة. فإذا توقف على التورية إنقاذ معصوم من هلكة صارت واجبة، مثل أن يأتي شخص ظالم يسأل عن إنسان يريد أن يقتله وأنت تعرف مكان هذا الإنسان فهنا يجب عليك أن توري، لأن في ذلك إنقاذًا للمعصوم من الهلاك، وقد تكون مستحبة كما لو سألك سائل عن عمل صالح عملته تخشى أن تقع في الرياء إن أخبرته به فهنا التورية مستحبة.
وقد تكون مباحة، كما لو ورّيت على شخص يريد منك شيئًا لا تريد أن تعطيه، مثل أن يقول: يا أخي أقرضني مثلًا مئة ألف ريال. وأنت تعرف أن هذا الرجل مماطل لا يفي بالواجب، فهنا تكون التورية مباحة.
وقد تكون مكروهة كما إذا كانت لغير سبب، فالصحيح أنها مكروهة لما يخشى فيه من نسبة الإنسان إلى الكذب؛ لأن الإنسان إذا ورّى ثم ظهر الأمر على خلاف ما فهمه السامع نسبه إلى الكذب، فهذه مكروهة لا يبيحها إِلَّا السبب.
وقد تكون محرمة كما لو تخاصم رجلان إلى القاضي فادّعى أحدهما على الآخر بدعوى، فالمدعي عليه البينة، والمنكر عليه اليمين، فعجز المدعي عن البينة فحلف المدعى
[ ٢١٠ ]
عليه عند القاضي وقال: والله ما له عندي شيء. فالقاضي في مثل هذا التعبير يفهم براءة هذا المدعى عليه. والمدعى عليه أراد بما أن تكون اسم موصول. يعني: "والله الذي له عندي شيء". هذه التورية نقول: إنها حرام، لأنها تتضمن جحد الحق الواجب عليه أداؤه.
فإذا قال قائل: ما الأصل فيها الإباحة أو الكراهة؟
فالأقرب أن الأصل فيها الكراهة، ولكن قد تكون مباحة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة، وقد تكون حرامًا.
١٨ - ومن فوائدها: جواز إسناد الوصف إلى الإنسان باعتبار المستقبل، تؤخذ من قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ فإنه الآن ليس بسقيم، لكن كل إنسان عرضة لأن يسقم، على أنه يمكن أن يريد بقوله إني سقيم أي ضعيف باعتبار قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾. [النساء: ٢٨] فيكون الوصف هنا حاليًّا.
١٩ - ومن الفوائد في قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِريِنَ﴾ أن هؤلاء القوم لما قال لهم هذا القول، وبعد أن نظر نظرة في النجوم اقتنعوا، فيتفرع على ذلك أن الإنسان المبطل قد يقتنع بالشيء ولو كان باطلًا في حقيقته وهو كذلك، فالإنسان المبطل إذا ورّى له في باطله ظن أنه حق فأخذ به واعتبره.
٢٠ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾ إلى آخر الآيات بيان قوة إبراهيم -كما سبق- ما ذهب بسرعة وخفاء إلى هذه الآلهة ليكسرها، ولكنه -﵊- لم يكسرها إِلَّا بعد أن أقام البينة على من كان عندها بأن
[ ٢١١ ]
هذه الآلهة لا تصلح أن تكون آلهة. لأنها لا تعقل، لا تنطق، ولا تعرف ما ينفعها ولا تجلب لنفسها نفعًا، فلغيرها من باب أولى، ولهذا قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾.
٢١ - ومن فوائدها: جواز التورية كما سبق؛ لأنه -﵊- يعلم أن هذه الأصنام لا تأكل ولا تنطق، لكن أراد بهذا السؤال إقامة الحجة على من كانوا عندها يحرسونها وينتصرون لها: بأن هذه الأصنام غير صالحة للعبادة؛ لأنها لا تعرف ما ينفعها ولا يضرها، ولا تجلب لنفسها نفعًا ولا تدفع عن نفسها ضررًا.
٢٢ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ بيان قوة إبراهيم -﵊-.
٢٣ - ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل عملًا أن يكون فيه جادًّا وحازمًا، فيفعله بقوة لا بتوان وكسل، خلاف لما يقوم به بعض الناس من الأعمال، حيث تجده يواجه عمله بضعف وتوانٍ وكسل.
والإنسان في الحقيقة مع نفسه على ما اعتاد، إذا اعتاد الحزم والقوة وألا يدع عملًا لوقت مستقبل صار حازمًا في أعماله مدركًا لآماله، أما إذا كان كسولًا متهاونًا يقول: أدع هذا الشيء إلى غدٍ. فإن الأعمال سوف تتراكم عليه، وسوف يجد في النهاية أنه عاجز عنها، لأنه إذا أخر عمل يوم إلى غد اجتمع عليه غدًا عملان: عمل الماضي وعمل الحاضر، فإن أخَّره مرة أخرى اجتمع عليه ثلاثة أعمال، وهكذا حتى يعجز ويكل، ولهذا منع
[ ٢١٢ ]
الإنسان الذي عليه قضاء رمضان أن يؤخره إلى ما بعد رمضان الثاني؛ لأنه إذا أخره إلى الثاني تراكمت عليه الديون ثم عجز بالتالي عن قضاء هذه الديون.
٢٤ - ومن فوائد الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ بيان شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم لأن قوله: ﴿فَأَقْبَلُواْ﴾ يدل على الترتيب والتعقيب والسببية أيضًا، أي: بسبب ما عمل بهذه الآلهة أقبلوا إليه ﴿يَزِفُّونَ﴾.
والفاء تدل على الترتيب والتعقيب، ففيها دليل على شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم مع بطلان هذه الآلهة.
٢٥ - ومن فوائدها: أن الاجتماع له أثر حتى في الباطل لقوله: ﴿فَأقبَلُواْ إِلَيْهِ﴾ يعني جميعًا، والناس إذا اجتمعوا صار بعضهم لبعض ظهيرًا. ومعلوم أن الإنسان ينتصر ويقوى بغيره.
٢٦ - ويتفرع على هذه الفائدة أن الإنسان إذا أراد عملًا مهمًّا وخشي أن يعجز عنه بنفسه فالأفضل أن يستعين بغيره ولا يقول: إن هذا استعانة بغير الله تعالى، لأن الله قال لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣] ولا يعد هذا نقصًا في التوكل على الله -﷿-؛ لأن النبي -﵊- سيد المتوكلين، ومع ذلك فإن الله تعالى قال له: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بنَصْرِهِ وَبِالْمُؤمِنِينَ﴾. [الأنفال: ٦٢] وقال -﷾- ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. [آل عمران: ١٥٩].
وهذه مسألة يغفل عنها بعض الناس، تجده يهم بالأمر
[ ٢١٣ ]
العظيم ولكن لا يتخذ له مناصرًا، هذا التصرف فيه نظر ولكن يجب أن تراعى الحكمة في هؤلاء المناصرين، هل الحكمة أن يذهبوا جميعًا، أو أن يتفقوا على رأي وإن تفرقوا في الذهاب؟ أقول: إنه يجب أن تستعمل الحكمة هنا؛ لأنه قد يكون من الحكمة أن يذهبوا جميعًا، وقد يكون من الحكمة أن يذهبوا متفرقين لكن يتفقون على رأي واحد، وهذه ترجع في الواقع إلى العمل الذي يريدون الاتفاق عليه، وإلى المواجه التي يريدون أن يواجهوه.
فإن بعض الناس قد يتأثر بالجماعة الكثيرة، ويخضع لهم، وبعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، ويظن أن هذا من باب التظاهر عليه، فلا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا.
والمهم أن الاجتماع على الشيء سبب للعزة والانتصار، ولكن كيف يعالج الشيء الذي اجتمعنا عليه؟ هل يعالج على سبيل الاجتماع أو الانفراد؟ هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، والإنسان ينبغي أن يستعمل الحكمة في ذلك.
٢٧ - من فوائدها: أن أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم لقوله: ﴿فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾، وإذا كان أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم فينبغي أن يكون أهل الحق أسرع منهم؛ لأن أهل الحق منصورون وأهل الباطل مخذولون.
٢٨ - ومن فوائدها: أن هؤلاء القوم ينتصرون لأصنامهم ومعبوداتهم مع أنها باطلة، فينبغي أن يكون أهل الحق الذين ينتصرون لله -﷿- أشد منهم انتصارًا في دين الله -سبحانه
[ ٢١٤ ]
وتعالى-، وإذا نظرت إلى واقع المسلمين اليوم وجدت أنهم متفرقون، فكل عالم لا يأوي إلى عالم ولا يشاوره ولا يأخذ برأيه، بل إنه مع الأسف ربما يضاده في رأيه مع علمه بأنه على حق، لكن يكون فيه شبه من اليهود الذين حسدوا العرب على ما أعطاهم الله -﷿- من النبوة العظيمة التي جعلها فيهم، فإن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا ويؤملون النصر عليهم باتباع محمد - ﷺ - فلما جاء محمد كفروا بمحمد؛ لأنهم يظنون أنه يأتي من بني إسرائيل وأتى من العرب، وهم يظنون هذا تمنيًا وإلا فهم يعرفون النبي - ﷺ - كما يعرفون أبناءهم.
٢٩ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحْتُونَ﴾ الإنكار على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، والاحتجاج على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، أي كيف تنحتونه أنتم وتصنعونه أنتم، ثم بعد ذلك تعبدونه أليس الأولى من الناحية العقلية أن يكون هذا المنحوت هو الذي يعبدكم، لأنكم أنتم الذين نحتموه وأوجدتموه، ولكن عقولهم منتكسة فصار الأمر بالعكس يعبدون ما ينحتون.
٣٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ إقامة الدليل على أن الله وحده هو الذي يستحق أن يعبد لقوله: ﴿خلقكم﴾ الخالق هو الذي يجب أن يُعبد.
كيف تعبد من لم يخلقك وتدع من خلقك؟ أو تعبد من لم يخلقك مشركًا له مع من خلقك؟ ولهذا أقام الله البرهان على أنه لا يصح أن يعبد سواه في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
[ ٢١٥ ]
وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] ولم يقل: اعبدوا الله، إقامة للدليل عليهم بالربوبية.
٣١ - ومن فوائدها: أن أعمال العباد مخلوقة لله لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعمَلُونَ﴾ سواء جعلنا (ما) مصدرية، أم موصولة، إن جعلناها مصدرية فالأمر واضح: خلقكم وخلق عملكم، وإن جعلناها موصولة فلأن خلق المعمول فرع عن خلق العمل، فإذا كان معمولك الذي باشرت أنت عمله مخلوق لله فكيف بعملك الذي كان من عند الله، وفي هذه الآية رد على القدرية الذين أنكروا أن يكون لله -﷾- شأن في أعمال بني آدم، وقالوا: إن الإنسان مستقل بعمله، وليس لله فيه إرادة ولا خلق.
٣٢ - وفي الآية رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، لقوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ حيث أضاف العمل إليهم، وإضافة العمل إلى الإنسان تقتضي أنه هو العامل وهو الفاعل حقيقة وهو كذلك.
فالإنسان حقيقة هو الذي يعمل ويفعل ويريد ويختار، ففي الآية الكريمة رد على الطائفتين المنحرفتين، وأهل السنة والجماعة قالوا: إن الإنسان له قدرة واختيار وإيجاد لعمله، ولكن الذي خلقه وخلق هذه القدرة والإرادة هو الله، ففعله يضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، ويضاف إليه إيجادًا ومباشرة، فهو مضاف إلى العبد باعتبار، ومضاف إلى الله باعتبار آخر.
٣٣ - ومن فوائدها: ما سبقت الإشارة إليه وهو إقامة الحجة على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، فإذا كان الله خلقهم
[ ٢١٦ ]