الثانية، الأقمار في السماء الدنيا.
هذا هو المشهور عند علماء الفلك سابقًا، ولكن هذا خلاف الصواب؛ لأن ظاهر النصوص أن الشمس والقمر والنجوم كلها دون السماء، ليست ملصقة في السماوات، بل هي في فلك يدور بين السماء والأرض، والقمر هو أقربها إلى الأرض بدليل أنه يكسف ما فوقه كما شاهدناه وشاهده غيرنا، أحيانًا تجده يمر من تحت النجمة فتغيب به، وهذا يدل على أنه تحت النجوم، على كل حال نقول: ما بين السماوات السبع السحاب والشمس والقمر والنجوم والكواكب وغيرها من أمور لا نعلمها، قد لا نعلم هذه الأمور، ويمكن أن العلم فيما بعد يطلعنا على شيء كثير منها.
﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ قال المؤلف -﵀-: [أي والمغارب للشمس، لها كل يوم مشرق ومغرب]، فكأنه من باب الاكتفاء بذكر المقابل عن مقابله، نظير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] يعني والبرد، فإن السرابيل التي هي القمص وشبهها تقي الحر والبرد.
والمشارق جمع مشرق، فما المراد بالمشارق؟ هل المراد كما قال المؤلف: مشارق الشمس لأنها كل يوم لها مشرق؟ أو نقول: إن المشارق أعم فتشمل مشارق الشمس، ومشارق القمر، ومشارق النجوم، ومشارق كل ما شرق. أيهما أعم؟ الثاني أعم. فنقول: رب المشارق يعني مشارق الشمس، ومشارق القمر، ومشارق النجوم، ومشارق كل ما يشرق. وذكر الله المشارق دون المغارب، لأن المشارق أدل على القدرة من المغارب، إذ إن
[ ١٩ ]
الشروق ابتداء والغروب انتهاء.
وفي الشروق -أيضًا- ولاسيما في شروق الشمس إضاءة ونور يظهر فيه تمامًا كمال النعمة، وقوله ﴿الْمَشَارِقِ﴾ هنا بالجمع، وفي بعض الآيات جاءت بالتثنية، مثل قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ [الرحمن: ١٧] وفي بعض الآيات جاءت بالإفراد كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل: ٩] فهل هذا تناقض أم ماذا؟
الجواب: لا، وليس في القرآن شيء من التناقض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] فالقرآن لا يمكن أن يتناقض بنفسه، ولا أن يتناقض مع صحيح السنة. وانتبه نقول: مع صحيح السنة، لأنه قد تأتي سنة ضعيفة تناقض القرآن، ومناقضتها للقرآن يدل على ضعفها، لكن مع صحيح السنة لا يمكن، فإن وجد شيء ظاهره التعارض فإنه لابد أن يكون هناك وجه لتصحيح التعارض: إما بإمكان الجمع وهو المرتبة الأولى للعمل بالنصوص التي ظاهرها التعارض. وإما بالنسخ إن علم التاريخ وكان النص مما يدخله النسخ. وإما الترجيح يكون أحدهما أرجح من الآخر، ولابد من هذه المراتب الثلاث. لكن أحيانًا قد لا يتسنى للناظر وجه من هذه الوجوه، قد يعجز عن الجمع، وقد لا يعرف النسخ، وقد لا يمكنه الترجيح، فموقفه حينئذ التوقف، وأن يقول: الله أعلم، ولا يجوز أن يعتقد بأي حال من الأحوال أن في القرآن أو صحيح السنة تناقضًا أبدًا، لكن هل له أن يحاول معرفة هذه المراتب، أو إذا أشكل عليه أول
[ ٢٠ ]
مرة وقف؟ يجب أن يحاول النظر مرة بعد أخرى حتى يتبين، لئلا يقع في نفسه شك فيزيغ والعياذ بالله، فهذه الفائدة جاءت عرضًا، وهي أنه ليس في القرآن تناقض لا في نفسه ولا مع صحيح السنة، فإن وجد شيء ظاهره التناقض والتعارض وجب أن نستعمل المراتب الثلاث.
أولًا: الجمع، فإن لم يمكن فالنسخ، فإن لم يمكن فالترجيح، فإن لم نصل إلى ذلك فالتوقف لكن مع محاولة الوصول إلى مرتبة من هذا المراتب.
فبناءً على هذه القاعدة يمكن أن ننزل الاختلاف الوارد في المشرق والمغرب فنقول: المشرق باعتبار الجهة يعني جهة الشرق، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [المزمل: ٩] يعني جهة الشرق والمغرب جهة الغرب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. أي جهة الله على أحد التفسيرين، وأما المشرقين والمغربين فالمراد مشرقا الصيف والشتاء، ومغربا الصيف والشتاء، فالشمس مثلًا لها منتهى في مشرقها صيفًا، وهو مدار السرطان، ولها منتهى في مدارها شتاء وهو مدار الجدي.
فالفرق بين المشرقين فرق كبير، لا يستطيع أحد من المخلوقين أن يحول الشمس من مدار السرطان إلى مدار الجدي ولا شعرة واحدة.
وكذلك نقول بالنسبة للقمر؛ لأنه يدور على هذه المعالم: المشرقين والمغربين.
[ ٢١ ]
المشارق والمغارب الجمع فيها واضح، إما باعتبار مشارق، كل ما يشرق ومغارب كل ما يغرب من الشمس والقمر والنجوم والكواكب، وإما أنها المشارق اليومية للشمس، لأن كل يوم لها مشرق، وهذه المرتبة مرتبة الجمع، فالجمع بينها أن نقول: المشارق باعتبار مشارق كل ما يشرق، أو باعتبار المشارق مشارق الشمس كل يوم، والمشرقين باعتبار مشرقي الصيف والشتاء، ومغربيهما المشرق والمغرب الجهة.
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآيات: وحدانية الله -﷿- في ألوهيته لقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾.
٢ - ومن فوائدها: بطلان ألوهية ما سوى الله لقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ فإذا كان واحدًا فما سواه فهو باطل.
٣ - ومن فوائدها: أهمية التوحيد؛ لأن الله تعالى أقسم بالملائكة على ثبوت هذا التوحيد؛ ولأن الله تعالى أكده بثلاثة مؤكدات: القسم، إن، اللام. ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾.
٤ - ومن فوائدها: التناسب بين المقسم به وعليه، فالمقسم به الملائكة في حال تلك الأوصاف: الصف والزجر والتلو. والمقسم عليه وحدانية الله، والتناسب بينهما: أن الملائكة إنما تفعل ذلك توحيدًا لله -﷾- وتعظيمًا له.
٥ - ومن فوائدها: إثبات الربوبية لله -﷾- لقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾.
[ ٢٢ ]
٦ - ومن فوائدها: عموم ربوبيته في قوله ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾.
٧ - ومن فوائدها: التلازم بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فإن قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ كالدليل على توحده بالألوهية، وذلك أنه إذا كان متوحدًا بالربوبية لزم أن يكون متوحدًا في الألوهية. كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] فكيف تعبدون غيره ممن لم يخلقكم ولا خلق أحدًا؟
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾. [الحج ٧٣]
ولهذا قال أهل العلم: من أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية وإلا كان متناقضًا؛ لأنه يقال له: كيف تقر بأن الله وحده هو الرب الخالق ثم تعبد معه من لا يخلق؟ وهل هذا إلا تناقض؟
وهذه الآية وما شابهها من آيات الكتاب العزيز تدل على التلازم بين توحيد الألوهية والربوبية، ووجه ذلك أنه يلزمه أن يقر بتوحيد الألوهية ولكن كيف تلزمه؟ لأنه إذا قال: إن الله -﷾- واحد في الخلق فيجب ألا يعبد غيره.
٨ - ومن فوائدها: إثبات أن للسماوات عددًا لقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ وقد بين في مواضع بأنها سبع، وكذلك الأرض.
٩ - ومن فوائدها: الإشارة إلى عظم السماوات والأرض وما بينهما؛ لأن الله أضاف الربوبية إليها في مقام إقامة الحجة،
[ ٢٣ ]