الأرض، فعاملهم الله تعالى بنقيض قصدهم فجعلهم الأسفلين.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم لله -﷿-، وأن بني آدم مهما بلغوا من الطغيان فإنهم تحت حكم الله تعالى وسلطانه، لقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.
٦ - أن الجزاء من جنس العمل، لأن هؤلاء لما طغوا واعتدوا وتعالوا عاقبهم الله تعالى بالسفل المناقض لما أرادوا، فكانت العقوبة مناسبة للفعل.
* * *
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أي قال إبراهيم معلنًا هجرته من بلدهم إلى بلد الشام، وإنما قال ذلك لأنهم بلغوا إلى حد يكون به اليأس من هدايتهم، فإن قومًا أضرموا النار ليحرقوا بها داعيهم إلى الله قوم لا يرجى فيهم خير، ولهذا قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
فإن قلت: هل أُمر بذلك أو أُذن له بذلك؟
فالجواب: نعم، أُذن له بذلك، والدليل أن الله ﷾ أقره فلم ينكر عليه، لكن يونس ﵊ لما ذهب من غير أن يُؤذن له بين الله ﷾ أن ذهابه عن غير إذن، فقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. [الأنبياء: ٨٧].
ولما ذكر هجرة إبراهيم -﵊- لم يذكر ما فيه انتقاد عليه، ولهذا قال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قال
[ ٢٢١ ]
المؤلف: [مهاجر إليه من دار الكفر ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى حيث أمرني ربي بالمصير إليه وهو الشام، فلما وصل إلى الأرض المقدسة قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾]
﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ ولم يقل: إلى الله، لأن المقام يختص بالربوبية أكثر، إذ إن الربوبية مقتضاها التدبير، وهو الآن يحتاج إلى مدبر يدبره إلى ما فيه مصلحته، فقال: ﴿ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ والإضافة هنا إضافة تعطف وتحنن، وهي من الربوبية الخاصة، يعني إلى الرب الذي أرجو منه أن يهديني ويدلني لما فيه الخير.
وقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ السين هذه للتنفيس وتفيد أمرين:
تحقق الوقوع وقربه.
والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة، أي سيهدين إلى ما فيه الخير والصلاح لهذه الدعوة، وربما يقال: إنها تشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق.
الفوائد:
١ - الثناء على إبراهيم -﵊- بإعلانه الهجرة من بلده الذي يتضمن تحدي قومه وعدم مبالاته بهم، لأنهم لم يمسكوه ولم يمنعوه عن الهجرة، وهذا من حكمة الله ﷿ أن يظهر التحدي في مثل هذا ولا يقع.
٢ - ومنها: ثقة إبراهيم ﵊ بربه حيث قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
٣ - ومنها: الإشارة إلى الإخلاص في العمل لقوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ وهذا فيه إخلاص القصد لله ﷿، وهذه هي
[ ٢٢٢ ]