الواقع: هل يكتفى بمجرد قيام الحجة؟ وعليه أن يبحث عن المعنى، فيقال: أنت فرطت، لماذا لم تأتِ تستفهم؟ فأنت مقصر. أو يقال: إن الرجل إذا قامت عليه الحجة وبلغته لكن على وجه مهوش فهذا معذور لاسيما إذا مات في زمن لم يتمكن فيه من البحث والاستفسار، على كل حال هي مسألة لها غور عظيم، وتحتاج إلى مراجعة كلام أهل العلم في هذه المسألة مراجعة تامة، لأنَّها في وقتنا الحاضر تدعو الحاجة إلى فهمها، إذ إن فيه كثيرًا من المسلمين على هذا الوجه، يعني: بُين لهم الحق أو عرض لهم الحق عرضًا مهوشًا كما يوجد بين أهل البدع الآن، مثلًا فيه ناس عندها بدعة الرافضة أو بدعة الخوارج أو بدعة الأشعرية أو بدعة المعتزلة. بدع كثيرة مهوش على النَّاس فيها، ولبس فيها الحق بالباطل، فكثير من الناس يقولون: إن الحق معهم، وهم على بدعة وضلالة. فالمسألة في الحقيقة تحتاج إلى بحث تام في هذا الموضوع ومراجعة كلام أهل العلم، لاسيما العلماء المتحررون في أفكارهم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والشَّيخ محمَّد بن عبد الوهاب ومن أشبههم. -﵏-.
* * *
﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ هذه الجملة كالتفصيل لقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ فهنا شرع الله -﷿- يبين كيف كان هذا الضلال؟ ومتى كان؟ كان من أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وهو نوح -عليه الصَّلاة
[ ١٧٢ ]
والسلام-، ونوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض بدليل الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] إذا ليس هناك نبي مرسل قبل نوح -﵇-.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦].
فإذا كانت النبوة والكتاب في ذريتهم، فليس قبل نوح أحد أوتي النبوة والكتاب، والمراد بالنبوة نبوة الرسالة، أم نبوة الوحي والعبادة فقد سبقت لآدم، فإن آدم نبي مكلم لكنَّه ليس نبيًّا مرسلًا.
وأمَّا من السنة فقد صح عن رسول الله - ﷺ - في حديث الشفاعة: "أن النَّاس يأتون إلى نوح ويقولون: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض" (^١).
فنوح -﵊- هو أول الرسل ولبث في قومه ألف سنة إلَّا خمسين عامًا، يدعوهم ليلًا ونهارًا.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾ [نوح: ٥ - ٦] يدعوهم سرًّا وعلنًا ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾ [نوح: ٩] ولكنهم -والعياذ بالله- لا يزيدهم ذلك إلَّا نفورًا واستكبارًا مع قوة الرسالة والآيات العظيمة نكصوا
_________________
(١) أخرجه البُخاريّ في كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله؛ -﷿- ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾، (رقم ٣٣٤٠) ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنَّة منزلة فيها (رقم ١٩٣) (٣٢٢).
[ ١٧٣ ]
واستكبروا، وما آمن معه إلَّا قليل، ولما رأى -﵊- ما حصل من قومه وأيس منهم دعا عليهم:
﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].
وقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر: ١٠] فأجاب الله تعالى دعاءه، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ فانتصر الله له وأجاب دعاءه، قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾ [القمر: ١١ - ١٢] ماء ينزل من السماء، وماء ينبع ويفور من الأرض فورانًا عظيمًا، يشمل كل الأرض حتَّى التنور الذي هو موضع إيقاد النَّار صار يتفجر ماء، والسماء تهطل بماء منهمر عظيم، فالتقى الماء حتَّى بلغ قمم الجبال، ولم ينجُ منه أحد إلَّا من كان مؤمنًا فإنَّه مع نوح -﵊- في السفينة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾.
فنوح هو أول الرسل وآخرهم محمَّد - ﷺ -. قال الله تعالي: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ولم يقل: وخاتم المرسلين، مع قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إشارة أنَّه لا يمكن أن يأتي بعده لا نبي ولا رسول.
الجملة: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ مؤكدة بثلاثة مؤكدات كما سبق: القسم، واللام، وقد، ونقول في توجيه التوكيد ما قلناه فيما سبق.
[ ١٧٤ ]
وقوله: ﴿فَلَنِعْمَ﴾ الفاء: حرف عطف تفيد التَّرتيب والتّعقيب، واللام: موطئة للقسم، وتقدير الكلام: فوالله لنعم المجيبون.
والمجيبون: فاعل نعم، ونعم وبئس وشبههما. تحتاجان إلى فاعل وإلى مبتدأ لتكون جملتهما خبرًا عنه. هذا المبتدأ يسمى المخصوص. بالمدح أو بالذم.
فأين المخصوص في هذه الآية؟ يقول المؤلف: -﵀- (نحن) أي: فلنعم المجيبون نحن، وصدق ربنا -﷿- نعم المجيب: الله -﷾- فإن إجابته ليست كإجابة غيره إجابة محققة، لكن بشرط أن تتم شروط الإجابة وأن تنتفي الموانع. فإن لم تتم شروط الإجابة فإنَّه لا يجيب -﷿-؛ لأنَّ إجابته كسائر أفعاله مبنية على الحكمة، والحكمة وضع الشيء في موضعه، فإذا تمت شروط الاستجابة صار للاستجابة محل فحلت الإجابة. وإذا لم تتم لم يكن للإجابة محل، فلم تتحقق الإجابة.
ولابد من انتفاء الموانع وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر هذه الشروط والموانع عند ذكر الفوائد، فالله تعالى أثنى على نفسه بأنه نعم المجيب وصدق الله العظيم، فإنَّه تعالى نعم المجيب: يجيب عباده إذا اقتضت الحكمة ذلك بوجود الشروط وانتفاء الموانع.
﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ فهو قال المؤلف -﵀-[له نحن أي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق]. دعا الله على قومه
[ ١٧٥ ]
فأهلكهم بالغرق، فغرقوا عن آخرهم. وذكر أن النَّبيُّ - ﷺ - قال. "لو كان الله تعالى منجيًا أحدًا من الغرق لأنجى أم الصبي" (^١).
وأم الصبي امرأة كان معها صبي فلما رأت الماء يتزايد خافت على نفسها من الغرق، فلجأت إلى جبل فارتفع الماء حتَّى وصل إليها، ثم ارتفعت حتَّى وصلها الماء، ثم ارتفعت حتَّى وصلها الماء حتَّى بلغت قمة الجبل فوصلها الماء، فلما رأت الماء قد وصلها وألجمها رفعت الصبي فوق يدها لتغرق قبله، قال النَّبيُّ - ﷺ - فيما يذكر عنه: "لو رحم الله أحدًا لرحم أم الصبي" لأنَّ هذا من أبلغ ما يكون في الرحمة، أن تجعل موتها قبل موته، ترفعه على يديها حتَّى يدركها الغرق قبله. فهؤلاء وغيرهم من الأمم لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا البأس، وانظر إلى فرعون لما أدركه الغرق قال الله تعالى: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾. [يونس: ٩٠] لكن ما نفعه ذلك، قيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾. [يونس: ٩١] لم يكن أحد من الأمم نفعهم إيمانهم لما رأوا البأس ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾. [يونس: ٩٨] قال أهل العلم: والحكمة من ذلك: أن نبيهم خرج منهم مغاضبًا قبل أن يؤذن له، فلم تحق عليهم الكلمة لعدم تمام الإنذار في حقهم، فلهذا لما آمنوا كشف الله عذاب الخزي في الحياة الدُّنيا ومتعهم إلى حين،
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤٢، ٥٤٧) وقال في الموضعيين: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: إسناده مظلم، وموسى ليس بذاك. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٣): رواه الطّبرانيّ في الأوسط، وفيه موسى بن يعقوب الزمعي وثقه ابن معين وغيره، وضعفه ابن المديني، وبقية رجاله ثقات.
[ ١٧٦ ]