الكيد في الأصل: "التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يدري" والكيد والمكر والخداع بمعنى واحد، أو بمعنى متقارب، لكنها كلها تدل على أن الإنسان يوقع خصمه من حيث لا يشعر، هذا في الأصل، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦] ولكنهم هم أرادوا بذلك إهلاكًا لإبراهيم -﵊-.
[ ٢١٨ ]
ويحتمل أنهم لما بنوا هذا البناء والنار في وسطه لا تشاهد فيظن الإنسان إذا رآه أنه قصر فيقدم على أن يستسلم للإلقاء، لأنه اعلم ما في جوفه لكان يهرب أو يدافع، فيكون هذا معنى الكيد أَي أنهم لم يشقوا الأرض كما فعل أصحاب الأخدود ويضعوا فيها الحطب ويوقدوه، ولكن بنوا بنيانًا من رآه من الخارج ظن أنه منزل سكن، ولكنه في الواقع حسب صنعهم نار تتأجج. فيمكن أن يقال: إن هذا هو المراد من قولهم: ﴿كَيْدًا﴾ لأن الكيد كما أسلفنا هو التوصل إلى الإِيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، ولكن الله تعالى جعلهم ﴿الأَسْفَلِينَ﴾ وذلك بعدم نيل مرادهم بخروج إبراهيم سالمًا، فكان العلو له من وجهين:
الوجه الأول: أنه سلم مما أرادوا من إهلاكه.
الوجه الثاني: أن الله ﷿ أكرمه بأمر لم يكن معهودًا عند البشر، وهو سلامته من النار التي ظنوا أنها ستحرقه، فصاروا أسفلين من هذين الوجهين أنه سلم، وأن الله تعالى أكرمه بأمر لم يكن معهودًا، وهذا بلا شك يوجب أن يكون عاليًا عليهم، بل عاليًا علوًّا بالغًا؛ لأنه قال: ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾ والأسفلين هذه اسم تفضيل أي البالغ في السفل غايته.
الفوائد:
١ - شدة كيد هؤلاء المكذبين لإبراهيم ﵊، حيث أروا الناس أنهم يبنون له بنيانًا دون أن يروه أنهم يريدون أن يحرقوه، لقوله: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾.
٢ - من فوائدها: أن النار التي أضرموها في هذا البنيان
[ ٢١٩ ]
كانت عظيمة، لقوله: ﴿فِى الْجَحِيمِ﴾ والجحيم هي النار العظيمة.
٣ - ومن فوائدها: عتوهم لأنهم قالوا: ألقوه، والإلقاء يدل على العنف وعدم الرحمة، وهم كذلك إذ لو كانوا يريدون رحمته ما هموا بإحراقه.
٤ - ومن فوائدها أيضًا: أن نيتهم هذه نية عدوان، لأنه قالوا ﴿ابْنُواْ لَهُ﴾ واللام ذكرنا أنها للتعليل، يعني ما بنوا هذا البنيان إِلَّا بهذه النية السيئة.
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلينَ﴾.
١ - بيان ما يكنه أعداء الإسلام للمسلمين وللإسلام من إرادة الكيد بالإسلام وأهله، وهذا كما أنه في الأمم السابقة فيكون في الأمم اللاحقة، لقول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١].
٢ - ومن فوائدها: الرد على الجبرية لقوله: ﴿فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْدًا﴾ والجبرية ينفون أن يكون للإنسان إرادة في فعله، لأنهم يرون أن الإنسان مجبر على الفعل، وأن فعله الواقع بإرادته كفعله الواقع بغير إرادته، والكل عندهم سواء.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين كادوا كاد الله بهم، فجعلهم هم الأسفلين.
٤ - ومن فوائدها: أن من يتعالى على الحق فإن الله تعالى يجازيه بنقيض قصده؛ لأن هؤلاء أرادوا العلو والفساد في
[ ٢٢٠ ]