سبق أن أهل الجنة على سرر متقابلين، لكن الإقبال هنا فسر بقوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ يعني: صار بعضهم يسأل بعضًا مع اتجاه بعضهم إلى بعض، كما هو الأدب في المخاطبة أنك إذا خاطبت شخصًا فلا تخاطبه إلا وأنت مقبل عليه، بجملتك، فهم كذلك ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ قال المؤلف -﵀-: [عمَّا مر بهم في الدنيا] وإن شئت فقل: يتساءلون عن كل أحوالهم في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الآية مطلقة، وما أطلقه الله فإنه لا ينبغي أن يقيد، ويكون ما ذكر من القصة مثلًا من الأمثال التي يتحدثون بها.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾
[ ١١٤ ]
يعني من جملة ما يتحدثون به ما يجري لبعضهم من محاولة صده عن سبيل الله تعالى وكفره بالله ﷿.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ أي من أهل الجنة ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ في الدنيا، لأن (كان) فعل ماضٍ ﴿لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ قال المؤلف: -﵀-[صاحب ينكر البعث] هذا القرين هل هو قرين جني أو إنسي؟ .
قيل: إنه جني، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾. [الزخرف: ٣٦].
وقيل: إنه إنسي يعني يقارنه ويوسوس له، والآية تحتمل معنيين، والقاعدة عندنا في التفسير: أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر، ولا مرجح لأحدهما فإن الواجب حملها عليهما، ولا شك أن للإنس شياطين كما أن للجن شياطين، وأن شياطين الإنس يوسوسون كما يوسوس شياطين الجن، إذًا فالآية عامة، قرين إما من الإنس، أو من الجن، أو منهما جميعًا، وقول المؤلف: [قرين صاحب] مشكل إذ كيف يكون المؤمن مصاحبًا لمشرك، لأن الواجب أن يكون بين المؤمنين والكافرين التباعد وعدم المصاحبة، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. [الممتحنة: ١].
لكن قيل: إن المراد بالقرين هنا هو الشريك في المال، أو سفر أو ما أشبه ذلك، وليس المراد بذلك الصحبة التي تستوجب
[ ١١٥ ]