﴿قَالُوا﴾ قال المؤلف -﵀-: [أي المتَّبَعون] لو عبر -﵀- بقوله المتبوعون لكان أوضح؛ لأن المتَّبَعون قد يقرأها الإنسان المتَّبِعون يعني الأتباع، والواقع أن الذي قال هم المتبوعون. ﴿قَالُوا﴾ أي المتبوعون للأتباع: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ ﴿بَلْ﴾ هنا في إبطال ما ادّعوه في قولهم: إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين، يعني بل لم نأتكم عن اليمين ولكنكم لم تكونوا مؤمنين، ولو كنتم مؤمنين لصدق قولكم إنا أضللناكم، أما أنكم غير مؤمنين من الأصل فالجناية منكم على أنفسكم.
ولهذا يقول المؤلف -﵀-: [﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ وإنما يصدق الإضلال منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا]، تبرأ المتبعون الآن من الأتباع وجعلوا اللوم على الأتباع أنفسهم، قالوا كما يقول الشيطان: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا﴾.
[ ٦٦ ]
[إبراهيم: ٢٢] هؤلاء المتبعون يقولون كما قال الشيطان، يقولون للأتباع: أنتم الذين أضللتم أنفسكم، أما نحن فلم نضلكم؛ لأننا لم نخاطب قومًا مؤمنين، فأضللناهم بعد إيمانهم، إنما نخاطب قومًا انقادوا إلى الكفر باختيارهم، فاللوم عليهم لأنفسهم أما نحن فلا، وهذا مبين لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٦].
الفوائد:
في الآيات المتقدمة فوائد:
١ - منها: أن هؤلاء المكذبين إذا ساقتهم الملائكة إلى النار فإنهم يهينونهم عدة إهانات، فيقفونهم على الصراط يعني عنده، ومن المعلوم أن الإيقاف فيه إهانة للإنسان، بحيث يكون في يد غيره كالآلة.
٢ - ومن فوائدها أيضًا: أنهم يهانون إهانة أخرى معنوية، فيقال لهم: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ يعني أي شيء يمنعكم اليوم من التناصر بعد أن كنتم في الدنيا تتناصرون، وفي هذا من الإهانة والتوبيخ والتنديم ما هو ظاهر.
٣ - ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء في ذلك الموقف أذلاء مستسلمون كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ وكانوا في الدنيا مستكبرين لا يقبلون الحق، بل يجادلون ويقدمون رقابهم للقتل ضد الحق والعياذ بالله، لكنهم في الآخرة مستسلمون.
٤ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين يلوم بعضهم بعضًا ويسب بعضهم بعضًا، قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ
[ ٦٧ ]
الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ [العنكبوت: ٢٥] لقوله: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾.
٥ - ومن فوائدها: بيان الأساليب التي يستعملها المضللون، وأنها أساليب متنوعة تارة بالقوة، وتارة بالتغرير والتلطف والإيعاد بالخير، وتارة بالتغرير بالتوكيد على أن ما هم عليه حق. وإذا رأيت إلى واقع النصارى اليوم وغيرهم من أهل الضلال المضلين عرفت كيف تنطبق هذه الآية على هؤلاء الدعاة إلى الشر، فالنصارى -مثلًا- المضللون الذين يسمون أنفسهم بالمبشرين، لكننا نقول إنهم مبشرون بالعذاب الأليم، يعدون الناس الخير ويفتحون المدارس ويغدقون الأموال على الناس من أجل تضليلهم وإخراجهم ويستغلون فرصة الفقر والجهل في مثل هذه الأمور.
٦ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المتبوعين يعيدون التوبيخ على التابعين، حيث يقولون لهم: بل لم تكونوا مؤمنين، فالبلاء من عند أنفسكم لا من عندنا.
٧ - ومن فوائدها: أن من لم يكن إيمانه راسخًا فإن الدعاية الباطلة تؤثر عليه؛ لأن المؤمن إيمانًا راسخًا لا تضلله الدعاية ولا يمكن أن يتحول عن إيمانه الذي كان عليه لقوله: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ ولو كنتم مؤمنين حقًا إيمانًا ثابتًا ما أثَّر عليكم إضلالنا.
والمؤمن يرضى أن يموت ولو بأن يلقى من شاهق ولا يكفر
[ ٦٨ ]