* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣ - ٥٥].
* * *
قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ يعني: يَطْلُبونَ منك التَّعْجِيلَ بالعذابِ، قال تعالى في آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٨ - ٢٩].
هذا تحدٍّ للرُّسُلِ والعِياذُ باللَّه -وعلى رَأسِهِمْ خاتمهم محمد -ﷺ-، وهذا كقولهِمْ في البَعْثِ: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥]، انظر إلى الشُّبْهَةِ، نعم شُبْهَة وليست بحُجَّة، الرسلُ قالوا بالبعثِ في الآخرةِ لا في الدُّنْيَا، ومع ذلك قالُوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فالرُّسلُ لم يقولوا لكُمْ أيها الكفار: إنهم سَيُبْعَثُونَ اليوم حتى تَقولُوا: ائتُوا بآياتِنَا! !
فالحاصلُ: أن هؤلاء يستَعْجِلُونَ بالعَذابِ لا أنهم يُرِيدُونَ العَذابَ، بل يستَعْجِلُونَهُ تحدِيًّا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ
[ ٣١١ ]
مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وأحيانًا يَسْتَعْجِلُونَه كالمضطهد الذي يُريدُ أن يَنْتَحِرَ، فهم يقولون: إن كان هذا هو الحقُّ فإنا لا نُرِيدُ البقاءَ في الدُّنَيا، ولِيَأْتِنَا العذابُ حتى نَتَخَلَّصَ من هذه الدنيا، لكن الغالبَ أن المستَعْجِلِينَ بالعذابِ يُريدونَ التَّعْجِيزَ والتَّحَدِّي، بدليل قولهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].
لو قال قائل: هل المبَاهَلَةُ تكون معَ المسلِمِينَ أم معَ الكفَّارِ فَقَط؟
الجواب: المباهَلَةُ تكونُ مع غيرِ المسْلِمينَ وتكونُ مع المسلمين، وابنُ عبَّاسٍ -﵄- طَلَبَ المباهَلَةَ في بعضِ مسائلِ الفرائضِ.
قوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ (ال) هنا هَلْ هِي للعَهْدِ أو لبيانِ الحَقيقَةِ؟ إذا قلنا: إنها للعَهْدِ، يكونُ المرادُ العذابَ الذي وُعِدُوا به، الذي قال لهُمْ الرَّسولُ ﵊: إنه سيَقَعُ بهم، وإذا قُلْنَا: إنها لبيانِ الجِنْسِ صارتْ أعَمَّ من ذلك.
﴿وَلَوْلَا﴾: شَرْطِيَّةٌ ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ هذا جوابُ الشَّرْطِ.
﴿أَجَلٌ﴾: مبتدأٌ سَوَّغَ الابتداءَ به وُقُوعَهُ في سياقِ الشَّرطِ، وكذلك وصَفَهُ بقوله: ﴿مُسَمًّى﴾، وخبرُ المبتدأ محذوفٌ وُجُوبًا والتَّقْدِيرُ: لولا أجَلٌ مُسَمَّى مُقَدَّرٌ.
والشاهِدُ على حذفِ الخبرِ مِنْ كلامِ ابنِ مالك ﵀ (^١):
وَبَعْدَ (لَوْلَا) غَالِبًا حَذْفُ الخَبَرْ حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرْ
_________________
(١) البيت رقم (١٣٨) من ألفيته.
[ ٣١٢ ]
وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ الأجَلُ: هو غايَةُ الشيءِ يعني: لَولا الغَايةُ التي حَدَّدَها اللَّهُ.
وقوله ﷿: ﴿مُسَمًّى﴾ أي: مُعَيَّنٌ أو محدَّدٌ بنظامٍ وانتظامٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، فأفعالُ اللَّه ﷾ تابِعَةٌ لحِكْمَتِهِ؛ لأن اللَّه ﷿ كُلُّ شيءٍ عندَهُ بمقدارٍ، حتى القَطْرَةُ التي تنْزِلُ مِنَ السماءِ لا تَنْزِلُ إلا بمقدارٍ في وَزْنِها وحَجْمِهَا وزَمَنِها ومكانِهَا، ولهذا قال: ﴿مُسَمًّى﴾، ويَدُلُّ لهذا قوُله ﷿: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٨ - ٩]، لا يَخْفَى عليه شيءٌ ولا يَشِذُّ عن تَقْدِيرِهِ شيءٌ ﷾، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١].
وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ استَعْجَلُوا العذابَ ولكن اللَّه ﷿ يَحْلُمُ ويحْكُم ويُحْكِم فهو حَلِيمٌ حَكِيمٌ، فلولا أجلٌ مُسَمًّى لجاءهُمُ العذابُ عاجلًا، ولكن سيُنْزِلُهُ اللَّه عنْدِمَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
ولو كان ﷿ كُلَّمَا طلَبَ هؤلاءِ من آيَةٍ أعْطاهُم وكُلَّما استَعْجَلُوا بالعَذَابِ عاجَلَهُمْ؛ لفَسدتِ الأرضُ، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]، ولكن اللَّه ﷿ حكيمٌ يُقَدِّرُ الأشياءَ حسبَ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وهذه الحكمة لغايَةٍ قد نَعْلَمُهَا ولو مُسْتَقْبلًا، وقد لا نَعْلَمُهَا لأن عِلْمنَا مَحْدُودٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
ثم قالَ مُتَوَعِّدًا لهم: [﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بِوَقْتٍ إتْيانِهِ]: وقوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ هذه الجملَةُ مؤَكَّدَةٌ بثلاثِ مؤكِّدَاتٍ: القَسَمِ المقَدَّرِ، واللامِ، ونونِ التَّوْكِيدِ.
[ ٣١٣ ]
ومعنى: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ يَجِيئهُمُ -أي العذاب- بَغْتَةً.
البغْتَةُ: كل ما باغَتَ الإنسانَ، أي: أتاهُ من غَيْرِ تَوَقُّعٍ لَهُ.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ جملة مُؤكِّدَةٌ لقوله: ﴿بَغْتَةً﴾ لأن المبَاغِتَ للإنسانِ يَأْتِيهِ بدُونِ شُروطٍ، وقيلَ إنها جملة مُسْتَقِلَّةٌ بمعناها، وإن قوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ هذه صِفَةُ وُقوعِ العَذابِ، ففيه تهديدٌ وتَحْذِيرٌ، أي: فاحْذَرُوا أن يأْتِيكُمْ، وأن قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: أنه لا يأْتِيهِمُ الآن؛ لأنهم إذا أتاهُمُ العذابُ حين طَلَبهُمْ يكونُ قَدْ أتاهُمْ وهم متَوَقِّعُون له شَاعِرُونَ به فيكون أخفَّ وَقْعًا، ولكنه سيَأْتِيهِمْ في غيرِ وقْتِ طَلَبِهِمْ، والحال أنهم لا يشْعُرونَ.
وعلى القولِ الأَوَّلِ أنها توكيدٌ لقولِهِ: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ فيكونُ هذا مُفسَّرًا بقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٨]، فالإنسانُ النائمُ ليس مُسَتَعِدًّا للعَذابِ، بل هو آمِنٌ غايَة الأمْنِ، قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١]، وكذلك الإنسان الذي يلعب في رابِعَةِ النهار هذا أيضًا آمِنٌ، ولكنَّ اللَّه هدَّدَ هؤلاءِ المبْطِلِينَ في حال أمْنِهِمْ أن يأْتِيهُم عذابُ اللَّه ﷿ بَغْتَةً.
وظاهرُ الآية الكريمةِ أن هذا في الدُّنْيا، ولا فَرقَ بينَ أن يكونَ هذا العذابُ على يَدِ الرَّسُولِ ﵊ وأصحابِهِ أو مِنَ اللَّهِ ﷿، فالعذابُ الذي أَتَى قُرَيشًا لما دَعَا النَّبِيُّ -ﷺ- ربه فقال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ" (^١)،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب تسمية الوليد، رقم (٥٨٤٧)؛ ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، رقم (٦٧٥) عن أبي هريرة.
[ ٣١٤ ]
فأَصَابهُم الجَدْبُ والقَحْطُ والجوعُ؛ هذا العذابُ مِنَ اللَّه ﷿، وكذلك ما كان على أَيْدِي المؤمنينَ في غَزوةِ بَدْرٍ فإن تلكَ الغزوةَ أصابَتْهُم إصابةً بالِغَةً عظِيمَةً، ولهذا سَمَّى اللَّه يومَهَا يومَ الفِرقانِ، ما من بَيْتٍ من بُيوتِ مكَّةَ الكبارَ إلا وقَدْ أُصيبَ بهذه المصِيبَةِ وعُذِّبَ بهذا العذابِ.
وعلى العُمومِ فإن قُرَيشًا أُصِيبُوا عامَّةً بنَكْبَةٍ بالِغَةٍ لأن صَنَادِيدَهُم ورُؤساءَهم قُتِلُوا، ثم قُتِلُوا وغُلِبُوا وأُسِرُوا وهُزِمُوا وخابُوا، على حين أنهم كما قال اللَّه ﷿: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، خرَجُوا وقد جَزَمُوا أنهم غَانِمُونَ وهازِمُونَ للرَّسُولِ ﵊ وأصحابِهِ، ويقول أبو جَهْلٍ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ حتى نَقْدَمَ بَدْرًا فنَنْحَرُ الجَزُورَ، ونُسْقَي الخمور، وتُعْزَفُ علينا القيانُ، ويَسْمَع بِنَا العرب فلا يزالونَ يهَابُونَنَا أَبَدًا (^١).
لكِنَّ اللَّهَ ﷿ مِنْ ورَائِهِمْ محُيطٌ، فالذي حَصَلَ أن العربَ تَحَدَّثُوا بهم، وأن القِيانَ عَزَفَتْ عليهِمْ بالنَّعْي لا بالفَرْحِ، وأنهم سُقُوا كأسَ الحمامِ ولم يُسْقَوا الخَمْرَ، فصارَ الأمرُ عكسَ ما قالُوا تمامًا، والنَّبِيُّ -ﷺ- رفعَ اللَّهُ رايَتَهُ ونصَرَهُ، ووقَفَ عليهم مُوَبِّخًا على القَلِيبِ وهم جُثَثٌ هامدَةٌ، يقول: "يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ! هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللَّهُ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا" (^٢)، هل يُوجَدُ أبلغُ من هذا الذُّلِّ
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام (٣/ ١٦٦) غزوة بدر الكبرى، أبو سفيان يرسل إلى قريش يطلب منهم الرجوع.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، رقم (٣٧٥٧)؛ ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه. . .، رقم (٢٨٧٤) عن أنس، ولفظ مسلم: أن رسول اللَّه -ﷺ- ترك قتلى بدر ثلاثًا ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال: "يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا".
[ ٣١٥ ]
والعارِ -والعياذ باللَّه- وسبعون رَجُلًا منهم أُسِرُوا ولم يُطْلَقُوا إلا بفَداءٍ، وصَاروا بَدَلَ الكَرَاسِي العالية يُدرِّسونَ الصِّبْيانَ في المَدِينَةِ ويُعَلِّمُونَهُم الكتابةَ، هذا ذُلٌّ ما وراءَهُ ذُلٌّ، وعذابٌ ما ورَاءه عَذَابٌ!
وليس في الحقيقة العذابُ ألمَ البدنِ فقط، أنا عندي وعندَ كُلِّ النَّاسِ أن العذابَ المهِينَ هو ألمُ القَلبِ والنَّفْسِ، هذا أشدُّ وأعْظَمُ، فالعذابُ العظيم في الحقيقةِ هو عذَابُ القَلْبِ، ولِذَلكَ إذا مَنَّ اللَّه على الإنسانِ بقَلْبٍ مُطْمَئِنٍّ وصدْرٍ مُنْشَرِحٍ مهما يحْدُثُ لا يتَعَذَّبُ ولا يتَألَّمُ بشيء.
الحاصِلُ أن ما أصابَهُم بفِعْلِ اللَّه ﷿ أو بفِعْلِ الرَّسولِ ﵊ هو مِنَ العَذابِ بَغْتَةً،، وكذلك أيضًا ما يُصِيبُ الواحِدُ منهم عند الموت -وما أقْرَبُ الموتِ مهما طالتْ بالإنسانِ الحياةُ- إذا جاءَهُ الموتُ يُبَشَّرُ بغضبٍ من اللَّهِ وسَخَطٍ، ويقال لرُوحِهِ: اخْرُجِي أيتها الروحُ الخَبِيثَةُ (^١)، فهذا -والعياذ باللَّه- مِنَ العَذابِ، فعَذَابهم في الدُّنيا وعندَ الموتِ، وفي الآخِرَةِ العذابُ المهينُ.
لو قال قائل: هل يستفادُ من قوله تعالى: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ جواز أن يقولَ الإنسانُ: هذا وَقَعَ صِدْفَةً؟
الجواب: هذا فيه تفصيلٌ: أما بالنِّسْبَةِ للخالقِ ﷾ فلا يجوزُ التَّعْبِيرُ بكلمَةِ صِدْفَةٍ، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يقولَ: إن اللَّه تعالى أوْقَعَ هذا صُدْفَةً، بمعنى أن اللَّه جَلَّ وَعَلَا ما أرَادَهُ وقدَّرَهُ، لكن بالنسبة للإنسان نَفْسِهِ، فالإنسانُ قاصِرُ العِلْمِ يقَعُ الشيءُ عليه بدُونِ تَوَقُّعٍ، فيقول: حصل كذا صُدْفَةً أو صادَفَنِي فُلانٌ، والمعنى:
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب السنة، باب في المسألة في القبور وعذاب القبر، رقم (٤٧٥٣)؛ وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧) عن البراء بن عازب.
[ ٣١٦ ]
لَقِيَنِي بدونِ سابِقِ عِلْمٍ، فهذا لا بأسَ به، وما زالَ النَّاسُ يُعَبِّرُون بهذا.
قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ يعني: يَطْلُبونَ منْكَ تَعْجِيلَهُ، ولكن الأمورَ مُقَدَّرةٌ في يدِ اللَّه ﷿، ولهم عذابٌ لن يَسْتَطِيعُوا الخلاصَ منه، لهذا قال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ هذه الجملَةُ مؤَكَّدَةٌ بمُؤَكِّدَيْنِ بـ (إنَّ) و(اللام).
ومعنى الإحاطَةِ بالشيءِ، أن يَأْتِيهُ العَذابُ من كلِّ جانِبٍ، و﴿جَهَنَّمَ﴾ هي اسم للنَّارِ أعاذَنَا اللَّه منها، وسُمِّيَتْ بذلك لأمرين: لبُعدِ قَعْرِهَا، وسوادِها، فهي من الجَهمة، والنون زائدة فيها، وعلى هذا فيكونُ وَزْنُها (فَعَنْلَلَ) وقيل: إنها اسم أجْمَي وإن أصلها (كهنام) في اللغة الأعجمية، لكن عندما عُرِّبَتْ حصَلَ فيها تَغْيِيرٌ فصارَتْ جَهَنَّمَ.
والغريب أن العَجَمَ الآن عندما يتحدثونَ إذا أرادُوا أن يُعَبِّرُوا عن النارِ يقولون جهَنَّم حتى نار الدُّنيا يُسَمُّونَها جهنم مع أننا نقول جهنَّم للنارِ العظيمَةِ، أما النار التي تَشْتَعِلُ بعودِ الكبريتِ فلا نُسَمِّيهَا جهنَّم لكن عندَ العجمِ اسمٌ لمطْلَقِ النَّارِ.
وأما حديثُ: "أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ. . . " الحديث (^١)، فهو حديثٌ ضعيفٌ، لكن مادة الجِيمِ والميمِ تَدُلُّ على هذا، والجَهمة في اللُّغَةِ الظُّلمَة، فهي سوداءُ مظلِمَةٌ والعياذ باللَّه.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٨٩) (٢٥٨٣) عن عمر بن الخطاب بلفظ: "إن اللَّه ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم امر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت"؛ والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٤٨٩) (٧٩٩) عن أنس.
[ ٣١٧ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ ولم يقل: (يسْتَعْجلونَكَ العذابَ)، هذا الفعلُ يتَعَدَّى بالباء وبنفسه، تقولُ: استَعْجَلَ به، واستَعْجَلَهُ، والظاهر أنها من جِنْسِ: شَكَرَهُ وشكر له.
لو قال قائل: الشخصُ من أهلِ الجنَّةِ رَأى شَخْصًا يُعَذَّبُ -وإن كان المعذَّبُ مستَحِقًّا للعذاب- ألا يتَأَلَّم، والجنَّة لا ألمَ فيها ولا كَدَرَ، فكيفَ نَجْمَعُ بين هذا ورؤيتُهُمْ لأهلِ النَّار وهم يُعَذَّبونَ؟
الجواب: إن عذابَ أهلِ النَّارِ يزيدُ سُرورَ أهلِ الجنَّة واغْتَباطَهُم بنِعْمَةِ اللَّه ﷿، ويَدُلُّ على هذا قوله ﷾: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٦ - ٥٧].
ومن وَجْهٍ آخرَ: أن الإنسانَ في الحَقِيقَةِ يُسَرُّ إذا رَأَى عَدُوَّهُ يُعْذَّبُ ولو كان عَذَابًا عظيمًا، خصوصًا إذا كان في وقتٍ لا يتَمَكَّنُ من الاستِعْتَابِ، فالآن هذا العَدُوُّ لا يمكن أن تحسُنَ حاله حتى يكونَ وَلِيَّا لي.
قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ الحمدُ للَّهُ قال: ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ولم يَقُلْ: بالظالمين، الكافِرُ يكونُ في قَعْرِ الجَحِيمِ والعِياذُ باللَّه، قال ﷿: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في المكانِ السَوِيِّ منها وهو الوسطُ، فهؤلاء -والعياذ باللَّه- تُحِيطُ بهم النارُ من كُلِّ جانبٍ؛ لأن الإحاطَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ، لكن يُشْكِلُ على هذا قولُه ﷾: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، يغْشَاهُمُ العَذابُ: يعني يُغَطِّيهِمْ، ومنه قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقولُهُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، يعني: يُغَطِّي الأرضَ بسَوادِهِ، فعَلَى هذا يَغْشَاهُمُ العذابُ، أي: يُغَطِّيهم، لكن مِنْ فوقِهِمْ ومن تحتِ أَرْجلِهِمْ.
[ ٣١٨ ]
ونحن قلنا: الإحاطةُ من كلِّ جانبٍ، فهل يكون قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾، مخصِّصًا لهذه الإحاطة، وتكونُ الإحاطَةُ من فوق ومن تَحت، أو يقال: إن تغْشِيَةَ العذابِ أبلغُ من إحاطة النارِ، وهذا هو الأقرب، وخصَّ الفوقَ والتحتَ لأنه لا يُمْكِنُ الفِرارُ مِنْهُ، لكن الجوانبَ يمكنُ الفِرارُ منها، فإذا جاء العذابُ من الخلفِ تَفِرُّ إلى قدَّام، وإذا جاءَ من قُدَّامَ تَفِرُّ إلى الخلْفِ، ومن يمين تَفِرُّ إلى يسار، ومن يسار تَفِرُّ إلى يمينٍ.
وقال بعضُ المفسِّرينَ: خَصَّ الفوقَ والتحتَ لأن نارَ الدُّنيا لا تَأتِي مِنْ فوق ومن تحت، بل تكون من جانِبٍ إلى جانِبٍ، وهذا منقوضٌ بمن أُلْقِيَ فِي نفسِ النَّارِ، فإن النارَ تأْتِيهِ من جميعِ الجهاتِ.
والذي نَرَى -واللَّه أعلم- أن ما بعدَ قولِهِ: ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾ لا يُخَصِّصُهُ، فتكونُ الإحاطةُ عامَّةٌ من كلِّ جانِبٍ، وتَغْشِيَةُ العذابِ من فوقَ ومن تحت يُشَدِّدُ عليهم أكثر، فتكونُ تَغْشِيَةُ العذاب أشدُّ من الإحاطَةِ.
قوله ﷿: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَغْشَاهُم: أي يُغَطِّيهِمْ، وتقدَّم تفسيرُ هذا في الآية التي قَبْلَها، وقلنا: إن قوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ ليس مُخَصِّصًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾، وقلنا: إن الإحاطَةَ عامَّةٌ وتَغْشِيةُ العذابِ من فوق ومن تحت للتَّشْدِيدِ عليهم، وأن التَّشْغِيَةَ أشدُّ مِنَ الإحاطَةِ.
قوله: [﴿وَيَقُولُ﴾ فِيهِ بالنُّونُ أي: نَأْمُرُ بالقولِ، وبالياء (يقول) أي: يقُولُ الملَكُ الموكَّلُ بالعَذابِ]:
قَال المُفَسِّر ﵀: [نقولُ، أي: نَأْمُرُ]، هذا في الحقيقة تحريفٌ من المُفَسِّر
[ ٣١٩ ]
﵀، ما الدَّاعِي لصَرْفِ اللِّفْظِ عن ظَاهِرِهِ؟ ولهذا فالمتَعَيِّنُ أن يكونَ القائل هو اللَّه ﷾، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١٠٩]، وهذا واضحٌ وصَرِيحٌ أن القائل هو اللَّه ﷿.
وهنا أيضًا في هذه الآيةِ القائلُ هو اللَّه جَلَّ وَعَلَا، فقولُ المُفَسِّر ﵀: [نقولُ، أي: نَأْمُرُ مَنْ يقولُ] تحريف، فما الذي يمْنَعُ أن اللَّه تعالى هو الذي يقولُ؟ ! أليس اللَّه ﷿ يتَكَلَّمُ بما شاءَ ومتى شاءَ، وكلامه ﷾ مسموعٌ بصوتٍ لا يُشْبِهُ الأصواتَ وبحروفٍ يفْهَمُها المخاطَبُ بهذا الكلامِ، ومما يدُلُّ على أن القائل هو اللَّهُ ﷿ أن القراءةَ الثانِيَةَ بالياءِ، فلو فسَّرنا قوله تعالى: (نقول) بأنه المُلْكُ لخالَفْنَا القراءة الثانية، والقراءات يُفَسِّرُ بعْضُها بعضًا كما في قوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فمَعْنَى (تَبَيَّنُوا) فسَّرتها القراءةُ الثانيةُ "فتَثَبَّتُوا".
واعلم أن مَنْ يعْتَقدُ مَذْهبًا مِنَ المذاهبِ تَجِدُهُ يحرِّفُ الكلِمَ عن مواضِعِه لأجلِ أن يُوافِقَ ذلك المذْهَبَ، وهذا خطيرٌ جدًّا، فالواجبُ أن يكونَ الإنسانُ نحو الأَدِلَّةِ ساذَجًا، بمعنى خالِيًا وتابِعًا تَمَامًا للدَّلِيلِ، ولا يجعلُ الدليلَ تابِعًا، بل يجعلُ نَفْسَهُ تبَعًا للدَّلِيلِ، ويكونُ كالأرض التي ليس فيها عُشْبٌ ولا نَبَاتٌ، فهي مهَيَّأَةٌ لما يُبْذَرُ فيها، بخلافِ الأرض التي يُوجدُ فيها نباتٌ من قَبْل، فلا بُدَّ أن يكونَ الغَرْسُ مثلَ النباتِ الذي قَبلَهُ.
لو قال قائل: أهلُ السُّنَّةِ يقولون: إن اللَّه جَلَّ وَعَلَا يتَكَلَّمُ بحرفٍ وصوتٍ، مع أن قولهم: "بحرف وصوت" لم يأتِ به النقْلُ في الكتاب والسُّنَّةِ، فما الجوابُ؟
[ ٣٢٠ ]
الجواب على هذا: أولًا: ينْبَغِي أن نَعْرِفَ أن أهلَ السُّنَّةِ والجماعَةِ -جعلنا اللَّه منهم- صارَ لهم أحْوالٌ وأوْقاتٌ يُنَزِّلون كلَّ حالٍ وكلَّ وقتٍ منْزِلَتَهُ.
ثم هم ابتلوا بقومٍ يقولون: إن كلامَ اللَّهِ ﷿ هو المعنى القائمُ بالنَّفْسِ، وهذا القولُ في الحقيقة نفيٌ لكلامِ اللَّه ﷿، فاضْطَرَّ أهلُ السُّنَّةِ أن يقولوا: "بحرفٍ وصوتٍ" تأْكِيدًا لمعنى الكلامِ فقط، فهم مضْطَرُّونَ لمقابلةِ هؤلاء، ولهذا لما قيلَ للإمامِ أحمدَ ﵀ أنهم يأْتُونَ بكلماتٍ لأجلِ دفعِ إيهامِ القَولِ بما يقُولُه أهلُ الباطِلِ، لو سَكَتَ السَّلَفُ وقالوا: "القرآنُ كلامُ اللَّهِ" فقط، صارَ في هذا إيهامٌ، حتى إن الإمامَ أحمدَ سُئلَ عن رجلٍ يقولُ: إن اللَّه معنا، ولا أزيد على هذا؟ قال: قَدْ تَجَهَّمَ؛ لأن الجهمية كانوا يُضِلُّونَ الناسَ، أحيانًا يُصَرِّحُونَ ويقولون: إن اللَّه مَعَنَا بذاتِهِ في الأرض، وأحيانًا يقولن: إن اللَّه مَعَنا، لأجل أن يهْرَبُوا مِنْ إثارَةِ الناسِ عليهم، فهم يتَسَتَّرُون بمثل هذا الشيءِ.
وكذلك السَّلَفُ يقولون: إن اللَّه استَوى على العَرْش بذاتِهِ، وقولهم: "بذاتِهِ" ليست موجودة في الكِتابِ والسُّنَّة؛ لأنهم لو قالوا: استَوى على العَرْشِ، وسكَتُوا، لقال لهم أولئك المحرفون: نعم هو عَلا على العرشِ لكن عُلُوًّا معْنَويًّا، فيكون (استوى) بمعْنَى (استَوْلَى)، فاحتاجَ السلَفُ أن يقولوا: "بذاتِهِ".
كذلك عَبَّرَ بعْضُهُمْ في حديثِ النُّزُولِ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا" (^١) فقالوا: بذاتِهِ؛ دَفْعًا لتَحريفِ من قالوا: ينزلُ أَمْرُهُ أو مَلَكٌ من ملائِكَتِهِ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، رقم (١٠٩٤)؛ ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل. . .، رقم (٧٥٨) عن أبي هريرة.
[ ٣٢١ ]
أو تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ.
فالسلفُ -﵏- يُضِيفُونَ بعضَ الكَلماتِ لدَفْعِ تَوَهُّمِ الباطِلِ، كما أنهم يَسْكُتونَ عن بعضِ الكَلماتِ خَوْفًا مِنْ توَهُّمِ الباطلِ.
وقد ذكرَ شيخُ الإسلامِ أن مسألةَ الذاتِ لم ترِدْ في لسانِ العربِ العُرباءِ (^١)، لكنها عبارةٌ صَحِيحَةٌ فجوَّزَ الإخبارَ بها عنِ اللَّه، ولكن لا نجْعَلُها من أسماءِ اللَّه ﷿، كما يجوزُ أن تقول: (إن اللَّه موجودٌ)، والموجود ليس من أسماءِ اللَّه ﷿، لكن من المعلومِ أنه لا بُدَّ مِنَ الإقرارِ بأن اللَّه مَوجودٌ، فنُخْبِرُ عنِ اللَّه بأنه موجودٌ وفي أسماءِ اللَّه ما يُغْنِي عنها، مثل الحيِّ الذي لا يَمُوتُ.
وكذلك (القديم) يَصِحُّ أن تُخْبِرَ عنه بأنه قَديمٌ، والمراد بالقديمِ ما لا أَوَّلَ له، لكن لا يجوزُ أن تجْعَلَ القَديمَ اسمًا من أسماءِ اللَّه ﷿، خِلافًا لبعضِ المتأخِّرِينَ الذين جعلوا أخصَّ أوصَافِهِ أنه قديم، وهذا ليس بصحيحٍ، وفي القرآنِ والسُّنَّةِ ما يُغْنِي عنه وهو (الأول)، وهو أيضًا أبلَغُ مِنَ القديمِ؛ لأن القديمَ قد يُطْلَقُ على الحادِثِ المتقَدِّمِ كما في قوله ﷿: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، فالقديمُ لا يَدُلُّ على السَّبْقِ المطْلَقِ؛ ولأن الأَوَّلَ يُفيدُ معنى زائدًا على تَقَدُّمِ الزَّمَنِ، وهو أن الأشياءَ تَؤول إليه وترْجِعُ إليه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].
لو قالَ قائلٌ: وهل نأْخُذُ من ذلكَ جوازَ تَغَيُّرِ الفَتْوى بتَغَيُّرِ الزمانِ؟
فالجواب: أهل العلمُ تتغَيَّرُ فتواهُم مَعْنَوِيًّا لا لَفْظيًا بتغَيُّرِ الزمان، هذا عُمرُ -﵁- أجازَ الطلاقَ الثلاثَ وجعلَهُ طَلَاقًا بائِنًا، مع أن النَّبِيَّ -ﷺ- وأبو بكرٍ يجعلُونَ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٩٩).
[ ٣٢٢ ]
طلاقَ الثلاثِ واحدة (^١)، بل هو نَفْسُه -﵁- يجعْلُ الطلاقَ الثلاثَ واحدةً سنَتَيْنِ من خلافَتِهِ، لكن لما رَأَى الناسَ كَثُرَ فيهم هذا الشيءَ أرادَ أن يُلْزِمَهم لأجلِ أن يرْتَدِعُوا.
ونحن دائمًا نقَرِّرُ أن العِلمَ ليس مجَرَّدَ علمٍ، بل هو عِلْمٌ وتَرْبِيَةٌ، فأهمُّ شيءٍ أن يُرَبَّى الناسُ على الشريعةِ، ولهذا يُرْوَى عن عَلِيٍّ -﵁-: "حَدِّثُوا النَّاسَ بما يَعْرِفُونَ، أتُرِيدُونَ أنْ يُكذَّبَ اللَّهُ ورَسُولُهُ" (^٢).
وقوله: ﴿وَيَقُولُ﴾ أضافَهُ اللَّه إلى نَفْسِهِ ﷾ بصِيغَةِ العَظَمَةِ هذا على قراءةِ النُّونِ؛ لأنه ﷾ أعظَمُ العُظماءِ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]، ومعلومٌ أنه واحِدٌ، لكن هذا من بابِ التَّعْظِيمِ، ولا شكَّ أنه ﷾ عظيم، وقد سبق أن مَا أضافَهُ اللَّه لنَفْسِهِ بصِيغَةِ العظمةِ قد يُرادُ به نفسه جَلَّ وَعَلَا، وهذا هو الأصلُ وهو الغالبُ الكثيرُ، وقد يُرادُ به ملائكَتُه إذا وُجِدَتْ قرينةٌ ودَلِيلٌ.
وقوله: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الأمر هنا للإهانَةِ، لإهانَتِهِمْ وتوبِيخِهِمْ.
وقوله ﷿: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (ما): اسم موصولٌ بمعنى الذي، وعلى هذا فيكونُ العائدُ مَحْذُوفًا، والتقدير: ما كُنْتُم تعملونه، قال المُفَسِّر ﵀: [أي: جَزَاءَهُ
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث، رقم (١٤٧٢) عن ابن عباس بلفظ: "كان الطلاق على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم".
(٢) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، رقم (١٢٧).
[ ٣٢٣ ]
فلا تَفُوتُونَا]، وهو كذلك، لكنه عبَّرَ بالعملِ نَفْسِهِ لأنه السببُ، ولأن الجزاءَ مِنْ جِنْسِهِ.