* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢]
* * *
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: الخطابُ إما أن يكونَ للكافِرينَ، وإما أن يكون لعُمومِ الناسِ، وكونُه لعُمومِ الناس أَوْلى، يعني: وما أنتم أيَّها الناسُ، وكونه للمُكَذِّبينَ المعانِدِينَ أبلغُ؛ لأنهم يظنُّونَ أنهم أَعْجَزُوا اللَّه.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (ما) هنا حِجازِّيةٌ؛ لأن القرآنَ بلُغةِ قريشٍ، واسمها: الضَّميرُ المنْفصِلُ (أنتم)، وخبرُها: (بمُعجزين)، والباءُ زائدةٌ للتَّوكيدِ، قال ابنُ مالكٍ ﵀ (^١):
وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جرَّ الْبَا الْخَبَرْ وَبَعْدَ لَا وَنَفْي كانَ قَدْ يُجَرْ
إعراب ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾:
(الباءُ): زائدِةٌ للتَّوكيدِ.
(معجزين): خبرُ (ما) منصوبٌ وعلامة نَصبِهِ ياءٌ مقدَّرةٌ على الياءِ، منَعَ من ظُهورِهَا اشتِغالُ المحَلِّ بعلامةِ إعرابِ حرفِ الجرِّ الزَّائدِ، وإن كان هذا في الحقيقة
_________________
(١) الألفية لابن مالك، البيت رقم (١٦١).
[ ٩٣ ]
من التكَلُّفِ المعروفِ، لكن لا بُدَّ أن نُعرب هذا الإعراب حسب القواعدِ المعروفةِ في النحوِ، فالياء في قوله: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ جَلَبَتَهَا الباءُ وليس الخبر، وهي نَفْسُها علامةُ النَّصْبِ.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (معجزين) من (أعْجَزَ) فهو متَعَدٍّ؛ لأن عجَزَ لازم، وأعْجَزَ متعدٍ، وإذا كانت متَعَدِّيَةٌ وهي اسمُ فاعلٍ فتحتاجُ إلى مفعولٍ، فأين المفعول؟
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ رَبّكُم عنْ إدْراكِكِمْ]: فيكون المفعولُ محْذوفًا تقديرُهُ: بمُعجِزينَ ربَّكُم، أو بمعجزين اللَّه، فلا مانِعَ، والمُعجِزُ هو من فعل ما يُعْجِزُ به غيرَهُ، ولهذا قال بعضُ أهلِ العِلم عن آيات الرُّسُلِ: إنها معْجِزاتٌ؛ لأنها تُعجِزُ أعداءَ الرُّسلِ عن معارَضَتِهَا.
قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، هذا الجارُّ والمجرورُ حالٌ مِن مُعجِزينَ، يعني: حال كونِكُمْ في الأرض أو في السماءِ، فلا تُعجِزونَ اللَّه سواء كنتم في الأرضِ أو في السماء، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [لَوْ كُنْتُم فِيها]، فيكون قوله: ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ على سَبيلِ التَّقديرِ وليس على سبيلِ الحَقيقَةِ؛ لأن الناسَ في الأرضِ وليسُوا في السماءِ.
وقيل: إن المعنى على سبيلِ المبالَغَةِ، يعني: لا تُعْجزونَ اللَّه سواءٌ كُنتم في أعماقِ الأرض أو في أجواءِ السماءِ، فيكون المعنى: لا تُعجزونُه في أيَّ مكانٍ كُنتم.
وقيل: إن قوله ﵀: ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ يعني به أهلَ السماءِ، يعني: أن اللَّه ﷿ لا يُعجزُه شيء في السمواتِ ولا في الأرضِ، فأهلُ السماء لا يُعْجِزُونَهُ وأهل الأرضِ لا يُعجزونه، فيكون المعنى على هذا الوجه: وما أنْتُمْ بمُعْجزينَ في الأرض،
[ ٩٤ ]
ولا مَن في السماءِ مُعجِزٌ اللَّه، على حَدِّ قولِ الشَّاعرِ حسَّانَ بنِ ثاب -﵁- (^١):
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّه مِنْكُمْ ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرَهُ سَوَاءُ
فأظنُّ أننا نَعرِفُ جميعًا أن الأوَّلَ غيرُ الثاني؛ لأن الذي يَهجُوه لا يمْكِنُ أن يمْدَحه وينْصُرَهُ، فيكون على تقديرِ: ومن يَمْدحُهُ وينْصُرُهُ سواء، فهذه مثلها.
والذي يظهر لي أن المعنى: أنَّكُم لا تُعجِزُونَ اللَّه في أي مكانٍ كُنتم، سواء كُنتم في السماءِ أو في الأرضِ؛ لكن وقتَ نُزولِ القُرآن لا يُمكِنُ أن يُرادَ بالسماءِ حقيقةٌ، إلا أن يُرادَ بالسماءِ ما عَلا ولو على قِمَمِ الجبالِ، لكن في وَقْتِنَا الآن يمكن أن يكونَ الإنسانُ في السماءِ، أي: في العُلُوِّ، وليس المرادُ السماءَ الدنيا؛ لأن السماءَ الدُّنْيا لا يصلُ إليها أحَدٌ، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] حتى النَّبِيُّ ﵊ وجبريلُ ﵇ ما استَطاعَا أن يَدْخلا السماءَ الدُّنْيا إلَّا بعد الاستفتاحِ والاستِئْذَانِ (^٢).
قال المُفَسِّر في تَفْسيرِهَا الإجمالي: [أي: لَا تَفُوتُونَهُ]: أي: لا تَفوتُونَ اللَّه، بل إذا شاءَ أن يُعذَّبِكَمُ أدْركَكُم فإن اللَّه تعالى لا يَفوتُه شيءٌ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
واعلم أن عُقوبَة اللَّه ﷿ وإدراكَه للإنسانِ تارَّةً يكونُ بأمورٍ حِسِّيَّةٍ، فيُقَدِّرُ
_________________
(١) في ديوانه (ص: ٩).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب المعراج، رقم (٣٨٨٧)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول اللَّه -ﷺ-، رقم (١٦٤)، وهو حديث المعراج وفيه "فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ فَفَتَحَ".
[ ٩٥ ]
اللَّهُ تعالى أسبَابًا مَعلُومةً لنا ونُشاهِدُها، وتارةً يكونُ بأمورٍ لا نُدرِكُها، فتأْتِيهِ العُقوبةُ مِنَ اللَّه بدونِ أيِّ سَببٍ معلومٍ لنا، مثلُ أسبابِ نَصْر الرسول ﵊ أحيانًا تكونُ بأسبابٍ غيرِ مَعلُومةٍ، وأحيانًا تكونُ بأسباب مَعلُومَةٍ، مثاله: نَصْرُ اللَّهُ ﷾ للرَّسولِ -ﷺ-، في غزوةِ الخَندَقِ: أرسلَ اللَّهُ عليهم رِيحًا وجُنُودًا لا نَرَاها، الجنودُ التي لا نَراهَا هي مِنَ الأُمورِ غيرِ المعلومَةِ إلا بالشَّرْع، لكنَّ الرِّيح التي أقَلَقَتْهُمْ وأكَفْأَتْ قُدورَهُم وهَدَمَتْ خيامَهُمْ هذه محسُوسَةٌ معلومَةٌ، لكنَّ الجنودَ التي لم نرهَا لولا إخبارُ اللَّه إيَّانَا عنها ما كُنَّا نَعْلَمُهَا.
فاللَّه ﷿ يُدرِكُ الإنسانَ إما بأسبابٍ مَعلُومة تَظْهَرُ للعَيانِ، وإمَّا بأسبابٍ خَفِيَّةٍ لا تَظهرُ للعَيانِ، ثم قد نَعْلمُهَا بطريقِ الوَحي وقَدْ لا نَعْلَمُهَا.
قولُهُ ﵀: [﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: غَيَرَهُ ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يَمْنَعُكُمْ مِنهُ ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَنْصَرُكُم مِن عَذَابِهِ]: (ما) في قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ هل هِي تَمِيمِيَّة أم حِجازَيَّةٌ؟
الجواب: اتَّفقتْ فيها اللُّغتانِ، وذَلك لعَدمِ التَّرتِيبِ لأنَّ ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ هو المبتدأُ، و﴿لَكُمْ﴾ هو الخَبَرُ، يعني: لا وَلِيَّ لكُمْ مِن دُونِ اللَّهِ، وقولُ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: غَيْرَهُ] صحيحٌ، وعبَّر عنِ الغَيْرِ بالدُّونِ لانْحطَاطِ رُتبَتِهِ.
وقوله ﵀: [﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يَمْنعُكُم منْه، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينصُرُكم مِن عَذابِهِ]: ولا أعلمُ إلَّا أن النَّصْرَ بمعنى المنْعِ والعَوْنِ، لكنَّ الصَّحِيحَ أن قولَهُ ﷿: ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أن الوَلِيَّ من يتَوَلَّى الإنسانَ في جميعِ أحوالِهِ فينْصُرُه في مقابلة عَدُوِّهِ، ويأتي إليه بالخيرِ ولو في غيرِ مقابَلَةِ العَدوِّ، فالولِيُّ هو الأعَمُّ، فهو الذي يتَولَّاهُ في
[ ٩٦ ]
جَلْبِ الخيرِ ودَفْعِ الشَّرِّ، والنَّصِيرُ هو الذي يَدفَعُ عنكَ فقط، قد لا يكونُ من أَوْلِيائِك لكن يدْفَعُ عنك في الحالِ المعَيَّنة التي تحتاج فيها إلى نَاصِرٍ، والنُّصْرَةُ تكون في دَفعِ المكرُوهِ، فيكون الوَلِيُّ هنا أَعَمُّ.
يعني: لا أحَدَ يتَولَّاكُمْ فيَجْلِبُ لكمُ الخيرَ ويدفعُ عنكم الشرَّ، ولا أحدَ أيضًا ينْصُرُكُم من دُونِ اللَّهِ فيمنعُ عنكم العِقابَ، وهذا أمرٌ واقِعٌ فإنَّ بأس اللَّهِ إذا نزلَ بقومٍ فلا يستَطِيعُ أحدٌ أن يدْفَع عنهم هذا البأسَ، ولا أن يمنْعَهم منه.