* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ أي: القُرآنُ والبَعْثُ].
قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأٌ وخبَرُه الجملَةُ الاسميَّةُ في قولِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا﴾، فهذه الجملةُ كُبرى وصُغْرى، يقول النحويون: جملةٌ كُبْرَى وصُغْرى فإذا كانت الجملةُ خبرًا يُسَمُّونَها جملةً صُغْرى، وإذا كانت مكونة مِنْ مبتدأ وخبرٍ تُسَمَّى كُبْرى، فعندنا الآن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخر الجملةِ نُسَمِّيهَا جملةً كُبْرَى، ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا﴾ هذه جملَةٌ صُغْرى لأنها جزءٌ مِنَ الجُملةِ الكُبرى، فهي مبتدأٌ وخَبرٌ لكنها خبرٌ، وأتى بالجملة الاسمِيَّةِ للدَّلالَةِ على الثُّبوتِ والاستِقْرارِ.
قوله: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، (الآيات): جمعُ آيَةٍ، والآيةُ في اللُّغَة: العَلامَةُ، وآياتُ اللَّه ﷾ نوعان: كونِيَّةٌ وشَرْعِيَّةٌ.
فالكونية: ما خَلقَهُ ﷾ في السَّماءِ والأرضِ، فهي آيات كَونِيَّةٌ لدَلالَتِهَا على خالِقَها، فهي دالَّةٌ على الخَالِق، وكل شيءٍ مِنها يَدُلُّ على صِفَةٍ تُناسِبُهُ؛ لأن الآياتِ كلَّهَا على سبيلِ العُمومِ تَدُلُّ على الخالِق، كلُّ آيَةٍ منها تدلُّ على صِفَةٍ مُعيَّنَةٍ
[ ٩٩ ]
من صفاتِهِ، فإذا كانت الآياتُ عظيمةً دلَّتْ على وجودِ الخالِق وعلى قُدرَتِهِ، وإذا ظَهَرَ فيها إحكامٌ وإتِّقانٌ دَلَّت على الحِكمَةِ، وهكذا.
فالآياتُ بعُمومِهَا دالَّةٌ على وُجودِ الخالِق، ثمَّ كُلُّ آيَةٍ منها لها دِلالَةٌ خاصَّةٌ تَدُلُّ على ما تَدُلُّ عليه من هذه الصِّفاتِ الخاصَّةِ، ومثال الآيات الكَونِيَّةِ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧] وفي سُورَةِ الرُّومِ عِدَّة آياتٍ ذَكَرها اللَّه ﷿.
النوعُ الثَّانِي من الآياتِ: الآياتُ الشَّرْعِيَّةُ، وهي ما جاءتْ بها الشَّرائعُ.
وهاهنا فائِدَةٌ: وهي أن الآياتِ الشَّرْعِيَّةَ يعْجزُ البشَرُ أن يأْتُوا بمِثْلِهَا؛ لأنها كلَّهَا إصلاحٌ ودَرءٌ للمَفاسِدِ، فكُلُّ الشرائعِ جاءتْ بالإصْلاحِ، ولكنَّ الإصلاحَ يكونُ في كُلِّ أُمَّةٍ بحسَبِهَا، فالشِّدَّةُ على اليهودِ منَاسِبَةٌ، والتَّخْفيفُ على النَّصارَى مناسِبٌ، والجمعُ بينهما في هذه الأُمَّةِ غايةُ المناسَبَةِ، وإن كان دِينُ الإِسلامِ يُسْرًا لا حرجَ فيه بالنِّسْبَةِ إلى دِينِ النَّصارَى، دِينُ النَّصارَى فيه أشياءُ كثيرةٌ مسامَحٌ فيها لأن حالهم تُناسِبُ ذلك، ودِينُ اليَهودِ فِيه شِدَّةٌ وأغْلالٌ حَطَّهَا اللَّه عنا بهذا النَّبِيِّ الكريم، فهذِه الشرائعُ كُلُّها آيات تَدُلُّ على كمالِ مَنْ شَرَّعها وسنَّها لعِباد، ولكنَّ النوعَ الأوَّلَ من الآياتِ الإيمانُ بِه صَعبٌ والوصولُ إلى حَقِيقتِهِ سَهْلٌ، لكنَّ الثاني هو الذي يكونُ فيه نوعٍ مِنَ الصُّعوبَة؛ لأنه لا يعرفُ كمالَ الشَّريعَةِ ودِلالَتِهَا على مَنْ شَرَّعها إلا من تَعَمَّق فيها، وعَرَفَ الحُكْمَ والأسرارَ التي تَتَضَمَّنُهَا هذه الأحكام، ولهذا يَنْبَغِي لنَا التَعَمُّقُ في معرفة حِكَمِ التَّشْرِيعِ؛ فكَوْنِي أعْرِفُ أن هذا حلالٌ أو هذا حرامٌ؛ هذا قد يكون سَهلًا، لكن كوني أعرِفُ لماذا حُرِّم أو لماذا حُلِّل هذا هو المهِمُّ جدًا، وهو الذي يَتبَيَّنُ به كونُ الشَّرعِ منْ آيات اللَّه ﷿.
[ ١٠٠ ]
وقوله: ﴿وَلِقَائِهِ﴾ أي: يومُ القيامَةِ، يعني: كذَّبُوا باللِّقَاءِ اللازمِ منه البعثُ؛ لأن البعثَ لازِمٌ من لَوازِمِ اللِّقَاءِ، لا لقاءَ إلا بِبعْثٍ، ولقاءُ اللَّهِ ﷿ ثابتٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ المسلمينَ، قالَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، يعني: فأَنْتَ مُلاقِيهِ فجَازِيك على هذا الكَدْحِ إما خَيرًا وإما شَرًّا.
وقوله: ﴿وَلِقَائِهِ﴾ يعْنِي: البَعْثَ؛ لأن المنْكِرينَ للبَعْثِ لا يؤمنونَ بلِقاءِ اللَّه؛ لأنهم يقولونُ -والعياذ باللَّه- إنهم إذا كانُوا عِظامًا ورُفاتًا فلا يمكِنُ أن يُبْعَثُوا خَلقًا جديدًا، فكذَّبوا بهذا.
قوله: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ جَزاءُ هذا التَكذيبِ اليأسُ مِنْ رَحمةِ اللَّه، قال المُفَسِّر ﵀: [أي: جَنَّتِي] فأوَّلها إلى الرَّحمَة المخلوقَةِ لا إلى الرَّحمةِ التي هي صِفَةُ اللَّه ﷾، وذلك لأنَّ الرَّحمَةَ المضافةَ إلى اللَّهِ قد يُرادُ بها دَارُ رَحمتِهِ فتكونُ مخلوقَةً، كما في الحديث القُدُسِيِّ أن اللَّه ﷿ قال للجنَّةِ: "أَنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ" (^١)، وتُطْلق على الرَّحمة التي وُصِف اللَّه ﷿ بها، وحينئذٍ تكونُ صفةً مِن صِفاتِ اللَّهِ غيرَ مخلوقَةٍ، ومنه قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
فما المرادُ بالرَّحمةِ في هذه الآية؛ هل المرادُ بها النوعُ الأوَّلُ: الرّحمةُ المخلوقةُ التي هي موضِعُ الرَّحمةِ، أو الرحمةُ التي هي صِفَتُهُ؟
الظاهرُ: أن المرادَ بها الرَّحمةُ التي هي صِفَتُهُ؛ لأنه إذا أُطلِقَتِ الرَّحمةُ مضافَةً إلى اللَّه فالمرادُ بها الصِّفَةُ، فلا نَحمِلُها على أنها موضِعُ الرَّحمةِ إلا إذا وُجِدتْ قَرينَةٌ،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب تفسير سورة (ق)، رقم (٤٥٦٩)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم (٢٨٤٦).
[ ١٠١ ]
فإذا وُجدت قرينةٌ عَمِلْنا بهذه القَرينَةِ، وإلَّا فالأصلُ أنها صِفَةٌ من صفاتِ اللَّهِ.
فعلى هذا يكون معنى الآية: يَئسوا من أن أَرْحمَهُم، وإذا لم يرحْمُهم اللَّهِ لم يَدْخُلوا الجنة، وهذا هو المعنى الصَّحِيحُ للآية، وما ذَكَرَهُ المُفَسِّر فهو محتَمَلٌ، فلا نُنكرُ عليه إنكارًا شديدًا؛ لأن الرَّحمةَ كما تُطْلَقُ على الصِّفَةِ تُطلقُ على موطنِ الرَّحْمَةِ.
قوله ﷿: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هاتان جملْتانِ كُبرى وصُغرى أيضًا: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأٌ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ مبتَدأٌ وخَبرٌ، والجملةُ خَبرٌ، كلُّ هذا لكمالِ التَّهْديدِ لهم، فهم حُرِموا من الخيرِ ووَقَعُوا في الشَرِّ؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ]، والعَذابُ مَعناه العُقوبةُ، يعني: لهم عُقوبة أليمةٌ، أي: شَديدَةٌ مؤلمَةٌ والعياذُ باللَّه، وذلك في النارِ، ولا حاجَة إلى شَرح ما في هذه النَّارِ من العَذابِ لأنه معلومٌ.