* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا﴾ بمَعْنَى الَّذِي]: فتكونُ اسمًا موصولًا، وهذا الإعرابُ هُو المتبَادَرُ مِنَ الآية.
وبعض المُعرِبينَ قال: إن (ما) استفهامية، فيكونُ الوَقْفُ على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾، ثم يأتي الاستفهامُ: ما الذي يَدْعُونَ من دُونِهِ مِن شيء؟ أي: هل يَسْتَفِيدُون شيئًا؟ ولكن هذا بعيدٌ، فإعرابُ المُفَسِّر هو الصوابُ، وأن (ما) موصولة، وعائد الموصولِ محذوفٌ، وحذفُ العائدِ المنصوبِ مطَّرِدٌ في اللغةِ العربية، التقدير: (إنَّ اللَّه يعلمُ ما يدْعُونَهُ من دُونِهِ من شيء).
وقوله: [﴿يَدْعُونَ﴾ يَعْبُدونَ]: فالدعاءُ هنا دُعاءُ عِبادَةٍ، وكما يكون الدعاءُ دعاءَ عبادَةٍ كذلك يكون دعاءَ مَسألَةٍ.
أما دعاءُ المسألَةِ فكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فدعاء المسالة كأن تقول: يا ربِّ اغفْر لي، يا ربِّ ارْحمْنِي، وما أشبه ذلك.
ودعاءُ العبادة أن تَتَعَبَّدَ للَّهِ ﷾ بما أمَرَك به، وإنما كان ذلك دُعاءً؛ لأن
[ ٢١٦ ]
حقيقةَ حالِ العابِد طلبُ مغفرةِ اللَّه ورَحمتِهِ، فهو في الحقيقة داعٍ ضمنًا، ودليلُه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
فقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا يَدْعُونَ﴾ ما يَعْبُدُونَ] فيه نظَرٌ، فينبغي أن نجعلَ الدُّعاءَ هنا شامِلًا لدعاءِ العبادَةِ ولدعاءِ المسألةِ، وأيضًا فالمشركون يدْعُونَ الأصنامَ دعاءَ عِبادَةٍ، ودعاءَ مسألَةٍ، فالذين يُشْرِكُونَ بالأنبياء والأولياء فإنهم يَدْعُونَهُم دعاءَ مسألَةْ، يقول أحدُهم: يا رسول اللَّه اغفر لي، ويا رسول اللَّه يَسِّرْ أمْرِي، وما أشبه ذلك!
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَدْعُونَ﴾ يَعْبُدونَ بالياءِ والتاءِ]: يعني: (يَدْعُونَ) و"تُدْعَوْنَ" قراءتان سبعيتان (^١).
قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا بيانٌ لـ ﴿مَا﴾ يعني: أي شيء تَدْعُونه فإن اللَّه تعالى عالم به، أي: أنه يعْلمُ حالَ هذا المدْعو المعْبُودِ، وهي كالتَّعْليلِ لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾، ويؤيدُ ذلك أن هذا المثلَ مطابِقٌ للواقِعِ؛ لأنه صادرٌ عن عِلم، فإنه لما ذَكَرَ أنهم كالعنكبوت بيَّن أن هذا عَنْ علمٍ من اللَّه، وأن هذا الشيءَ الذي يُدْعَى لا ينْفَعُ.
قوله: [﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العَزيزُ في مُلكِهِ، الحكِيمُ في صُنْعِهِ]:
لو قال قائل: إن المناسب أن يقالَ: وهو السميعُ العَليمُ؛ لأن اللَّه تعالى يقولُ: ﴿يَعْلَمُ﴾ فمُقتَضَى الظاهرُ أن تُختَمَ الآية بالعِلْمِ؟
_________________
(١) السبعة في القراءات (ص: ٥٠١).
[ ٢١٧ ]
قلنا: هذا حقٌّ بالنسبة لظاهِرِ الكَّلامِ، لكن عندَ التأَمُّلِ نجِدُ أن ختِامَهُ بالعِزَّةِ والحكمَةِ أبلغُ، فإنهم يُريدونَ الاستِنْصارَ بهذه الأصنامِ والغَلبةَ والظهورَ، وأكبرُ شاهد لذلك قولُ أبي سفيان يوم أحد: (اعْلُ هُبَلْ) (^١)، فاعتزازهم بهذه الأصنام مقابلٌ بعزَّةِ مَنْ لا يُغْلَب وهو اللَّه جَلَّ وَعَلَا، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالبُ لهذَهِ الأصنامِ ولعَابِدِيها.
و﴿الْعَزِيزُ﴾ من أسماءِ اللَّه ﷿، ويتَضَمَّنُ العزَّة مِنْ ثلاثةِ وُجوهٍ: عزَّةُ القَدْر، وعزَّةُ القَهرِ، وعزَّة الامتِنَاعِ، كما تقدم.
أما عِزَّةُ القَدْرِ فمعناها: أنه ﷿ لا يُشْبِهُه أحدٌ في عَظَمَتِهِ وجلالِه وقَدْرِه، وأما عزَّة القَهْرِ فمعناها: أنه لا أَحَدَ يُشْبِهُ اللَّه ﷿ في قَهْرهِ وسُلطانِهِ ومُلكِهِ، وأما عزَّة الامتْناع فمعناها: أنه ﷾ ممتَنِعٌ عن كُلِّ نَقْصٍ وعن كلِّ عَيْبٍ، فهو عزيزٌ أن يُنال بعَيْبٍ أو نَقْصٍ.
وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ دائمًا يَقْرِنُ اللَّه ﷿ العَزّة بالحِكْمَةِ؛ لأن بعضَ أهلِ العِزَّةِ من الخَلْقِ تحْمِلُهم العزَّةُ على التَّهَوُّرِ وعدمِ التَّثَبُّتِ، وعدمُ تنزيلِ الأشياءِ منازَلَها، ودليلُ ذلكَ قولُه ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، وكون العِزَّةِ تأْخُذُه بالإثمِ خلاف الحكمة، فلهذا يَقْرِنُ اللَّه ﷾ دائمًا العزيزَ بالحكيمِ إشارةً إلى أن عِزَّتَهُ ﵎ مَقْرُونَةٌ بالحِكمةِ، فهو وإن كانَ عَزِيزًا غالِبًا قاهِرًا لَهُ السلطانُ الكامِلُ، فإنه ﷿ لا يُدَبِّرُ الأمرَ إلا على وجْهِ الحِكمةِ البالِغَةِ.
ثم إنه على تَفْسيرنا ﴿الْحَكِيمُ﴾ بأنه ذُو الحُكم والحِكمة، فإن عِزَّتَهُ ﷿
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة أُحد، رقم (٣٨١٧).
[ ٢١٨ ]
مقرونةٌ بحُكْمِه وأن له الحكمَ المطلقَ في عبادِهِ ﷾.
واعلم أن أسماءَ اللَّهِ ﷾ لها مَعانٍ عندَ إفرَادِهَا، وإذا قُرنِتْ مع غيرها يتركَّبُ من هذا الاقترانِ معنًى آخر فوقَ المعنى الإفرادِي لكُلِّ اسم، فالعزيزُ مِنْ أسماءِ اللَّه جَلَّ وَعَلَا له مَعْنى عندَ انفرَادِهِ، والحكيم له معنى عند انفرَادِه لكن إذا اقْترنَا جميعًا حصل منهما معْنى ثالث زائد على المعنى الانْفرادِيِّ، وهو ما يحصل باجتماع هذين الاسمين من المعْنى الكامِلِ.
وقد تقدَّمَ أن الحكيم ذو الحُكم والحِكْمة، وأن الحُكْم ينقَسِمُ إلى كونِيٍّ وشَرْعِيٍّ، فمثالُ الكونيِّ قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]، ومثالُ الشَّرْعِيِّ قوله ﷾ في سورَةِ المُمْتَحَنَةِ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ويشملهما -أي: الحكم الكَوْنِي والشرعي- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] وما أشبه ذلك.
فالحِكمةُ ثابتَةٌ للَّه ﷿ وهي تَنزيلُ الأشياءِ منازِلها، وتكون في الحُكم الكوْنِيِّ والحُكمِ الشَّرعِيِّ، هذا باعتبارِ موضِعِها، وتكون أيضًا حِكَمةٌ غائِيَّةٌ وحكمَةٌ صُورِيَّةٌ، بمعنى أن كونَ الشيءِ على هذه الصورةِ المعَيَّنَةِ موافقٌ للحِكمةِ، ثم الغايةُ منه حِكْمَةٌ، فتكون الحِكمةُ في الغايَةِ وفي الهيْئةِ التي كان عليها هذا الأمر، وهذا شامِلٌ لجميعِ أحكامِ اللَّهِ ﷾ الكونية والشَّرْعِيَّةِ.