* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].
* * *
قوله ﷿: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (بَل) هنا للإضرابِ، والإضْرابُ نَوعان: انتِقَالي وإبْطَالي، وهنا يحتَمِلُ أن الإضْرَابَ للإبطال؛ لأنه لما قالَ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾، قال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾، ووجه كونِ الإضْرابِ للإبطالِ؛ لأنه أبْطَلَ قولهم: إنه جاء به من عنده.
ويُحْتَمَلُ أن يكونَ الإضرابُ انتِقَالِيًا؛ لأنه لما نفى ما يكون به مُتَقَوِّلًا على اللَّه أثْبَتَ أنه آياتٌ من اللَّه، فيكون انتقالًا من النَّفْي إلى الإيجابِ.
وقوله: ﴿آيَاتٌ﴾ جمعها لأن كُلَّ آيةٍ مِنَ القُرآنِ فهي آيَةٌ على صِدْقِ الرسولِ -ﷺ-؛ لأن كلَّ آيةٍ منه مُعجِزَةٌ، وإعجازُهُ في لفْظِهِ ومعناه، تَحَدَّى اللَّه الناسَ والعَرَبَ كُلَّهُم أن يَأْتُوا بمثل هذا القُرآنِ أو بعَشْرِ سُورٍ مِنْ مِثْلِهِ أو بسورةٍ أو بَحَدِيثٍ، ولو آيةٍ، قال اللَّه ﷾: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]، هذا عمومُ القُرْآنِ، تحَدَّاهُمْ اللَّه -جلَّ وَعَلَا- أن يَأْتُوا بمِثْلِهِ، وتحدَّاهم أن يَأْتُوا بعشْرِ سُورٍ، قال ﷾: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]، وتحدَّاهم أن يأْتُوا بسُورَة واحدةٍ، قال ﷾:
[ ٢٧٨ ]
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]، وتحدَّاهُم أن يأتُوا بآية واحدة قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤].
وقوله ﷿: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ﴾ الآياتُ: العلامَاتُ، وآياتُ اللَّه تنْقَسِمُ إلى كَوْنِيَّةٍ وشَرْعِيَّةٍ.
وقوله: ﴿بَيِّنَاتٌ﴾ أي: ظَاهِرَاتٌ.
قوله: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (فِي) للظرفية، حمَلَهَا المُفَسِّر ﵀ وكثيرٌ مِنَ المفَسِّرِينَ على أن المرادَ حِفْظُهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وأن هذا القرآنَ محفوظٌ في الصُّدُورِ، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: المُؤمِنُونَ يَحْفَظُونَهُ]، فيكون المعنى أن هذا القرآنَ محفوظٌ في الصُّدورِ، ويحتمل أن المعْنَى ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم﴾ أي: في قُلوبهِمْ، أي: أنهم يعلَمُونَ أنه حَقٌّ، كما قال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
وقد يُقالُ: إن المراد كلا المَعْنَيْينِ، وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: المؤْمِنُونَ]، بناءً على أن المرادَ أهلُ العلمِ العامِلِينَ به، وهذا لا يكونُ إلا للمُؤمِنِينَ.
قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ الجحدُ هُنَا ضُمِّنَ التكذيبَ.
وقوله: ﴿الظَّالِمُونَ﴾ الظُّلْمُ هنا الظلمُ الأكْبَرُ؛ لأن الظلمَ ظُلمانِ: ظُلْمٌ أصْغَرُ، وهو ما دُونَ الشِّرك والكُفْرِ، وظلمٌ أكْبَرُ، وهو الكفر والشرك، وكلاهما موجودٌ في القُرآنِ، مثالُ الظُّلْمِ الأكبرِ قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]،
[ ٢٧٩ ]
ومثاله أيضًا هذه الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ومثالٌ للظُّلْمِ الأصْغَرِ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢].
لو قالَ قائلٌ: قوله ﷾: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ عامٌّ يشْمَلُ الذين أُوتُوا العِلْمَ من المسلِمِينَ والنَّصَارَى وغيرهم، فلماذا خَصَّهُ المُفَسِّر ﵀ بالمؤمِنِينَ؟
الجواب: حَمَلَها المُفَسِّر ﵀ على المؤمنين لأنهم هم المنْتَفِعُونَ بالعِلْمِ.
وهل غيرُ المؤمنين مِنْ أَوْلى العِلم يكونُ القرآنُ آياتٍ بيِّنَاتٍ لهم؟
الجواب: قد يكون آياتٌ بيِّنَاتٌ ويجْحَدُونَ كما حدثَ من بعضِ زُعماءِ قُريش، لما سَمِعَ القرآنَ أعْجِبَ به وأقَرَّ بأنه ليس من قولِ البَشَرِ، واعترف بأنه من اللَّه لكن منَعَهُ الكِبْرُ، وقد ذَكَرَ اللَّه عن قومِ فرعونَ أنهم جَحَدُوا بالآيات واسْتَيْقَنَتْهَا أنفسُهم، فعلى هذا إبقَاؤها على أنها عامَّةٌ يكونُ أَوْلى، فتَشْمَلُ المؤمنينَ وغير المؤمنين.
لو قال قائل: ذَكَرَ اللَّه ﷾ الإيمان في قولِهِ: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وذَكَر الحِفْظ في هذه الآيةِ ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، ألا يكونُ في هذا تكرار؟
الجواب: لا يُوجَدُ تَكْرارٌ؛ لأن قولَهُ: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ يشمل هذا وهذا، أي: الإيمانَ والحِفْظَ، فقد لا يَحْفُظونَهُ لكن يَعْرِفونَ أنه حق وهذا على الوجه الثاني.
وقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ أي: اليهودُ، وجَحَدُوهَا
[ ٢٨٠ ]
بعدَ ظُهُروهَا لهُمْ]: قوله: [أي: اليهودُ] لا شَكَّ أنه قاصرٌ، فإن الآية عامَّةٌ تشملُ اليهودَ والنَّصَارَى والمجَوسَ، بل كُلُّ من عانَدَ فإنه ظَالمٌ.