* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالُوا﴾ أَيْ: كُفَّارُ مَكَّةَ]: لأنهم هم الذين اقْتَرحُوا الآيات، كما قال ﷾: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠].
قوله ﷿: [﴿وَلَوْلَا﴾ هَلَّا]: فتكونُ للتَّحْضِيضِ، وهذه إحْدَى معَانِي (لولا)، والمعنى الثاني: أن تكونَ شَرطِيَّةً، أي: حرفَ امتِنَاعٍ لوُجودٍ، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]، أما هنا فهي للتَّحْضِيضِ بمعَنْى (هلَّا).
قوله: [﴿آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وفِي قِراءَةٍ: "آيَة" (^١) كنَاقَةِ صَالحٍ وعصَا مُوسى ومائِدَةِ عِيسى]: والقراءة هنا سَبْعِيَّةٌ؛ لأن من اصْطلاحِ المُفَسِّر إذا قال: "وفي قراءةِ"، فَهِي سبعيَّة، وإذا قال: "وقُرِئَ" فهي شَاذَّةٌ. وآية وآيات بمعنى واحد؛ لأن آيةً نَكِرَةٌ في سياق ما يُشْبِهُ الشَّرطَ فتَعَمُّ، والمعنى: هلَّا أُنزل عليه آية، أي: علامة على صِدْقِه
_________________
(١) انظر: السبعة في القراءات (ص: ٥٠١).
[ ٢٨٣ ]
حتى نُصَدِّقَه ويَتَبَيَّنُ لنا صِدقه.
وقول المُفَسِّر: [آيَاتٌ كنَاقَةِ صَالحِ وعصَا مُوسى ومائِدَةِ عِيسى]: هذه آياتٌ حِسِّيَّةٌ وهم طلبوا ذلك تَعَنُّتًا وإلا فقد جاءَهُم مِنَ الآيات الحسِّيَّةِ والمعْنوِيَّةِ ما هو أعظمُ، فقد أراهُم النَّبِيُّ -ﷺ- انشقاقَ القَمرِ (^١)، ولقد أخبرهم بما رأى ليلةَ الإسراءِ والمعراجِ (^٢)، فهذه الآيات من جِنْسِ ما طَلَبُوا، لكن كما قال اللَّه ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وكلُّ إنسانِ مُتَعَنِّتٍ لا يمكن أن يَقْبلَ؛ لأن من قَصْدُه الحقُّ يكْفِيه الآيةُ التي تدُلُّ على صدْقِ ما قال صاحبها، أما المتَعَنِّتُ فلو جاءته آية لقال: أنت ساحرٌ، نُرِيدُ غيرها.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [كنَاقَةِ صَالِحٍ]، هذه الناقةُ كانت تَشْرَبُ الماءَ يومًا ويُشرَبُ لبَنُها يومًا، ولبَنُها يكْفي القبيلَةَ، قال اللَّه ﷿: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، أما ما ذُكِرَ من الإسرائيليات من أنها خَرَجَتْ مِنَ الحجَرِ وما أَشْبه ذلك -فاللَّه أعلم- به.
وعصَا مُوسى آية مِنْ وجوهٍ متَعَدِّدَةٍ:
منها: أنه إذا ألقَاهَا كانت ثُعبانًا عظيمًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي -ﷺ- آية. . .، رقم (٣٤٣٨)؛ ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر، رقم (٢٨٠٢) عن أنس، واللفظ لمسلم: "أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه -ﷺ- أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين".
(٢) انظر: معجم أبي يعلى الموصلي (ص: ٤٥)، وسيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٨)؛ والكامل في التاريخ (١/ ٥٨١)؛ والبداية والنهاية (٣/ ١١٠)؛ وتفسير البغوي (٣/ ٩٦)، وروح المعاني (١٥/ ٦).
[ ٢٨٤ ]
ومنها: أنها التَقَمَتْ ما جاءَ به السَّحرةُ من الحِبالِ والعِصِيِّ.
ومنها: أنه كان يَضْرِبُ بها الحجرَ فتَنْفَجِرُ عيونًا.
ومنها: أنه ضَربَ بها البحرَ فانْفلَقَ، بل كان كُلُّ فِرْقٍ كالطَّودِ العظيمِ.
لو قال قائل: هل يُسْتَحَبُّ أخذُ العَصا؟
الجوابُ: هذا ليس من سُنَّةِ الرَّسولِ ﵊.
قَال المُفَسِّر ﵀: [ومَائدَةُ عِيسَى ﵇]، هذا التَّمْثِيلُ من المُفَسِّر يَدُلُّ على أنه يَرَى أن المائدة أُنْزِلَتْ، وهذه المسألة فيها خِلافٌ بين أهل العِلمِ، فمنهم من قال: إن اللَّه أنزلَ المائدَةَ على بَنِي إسرائيل، ومنهم من قال: إن اللَّه لم يُنْزِلْها، ولنَنْظُرْ في الآيات:
قال اللَّه تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٢ - ١١٣]، اللَّه أكبر! الناسُ دائمًا يُريدونَ ملءَ بُطونهم، وأيضًا قومُ موسَى قالوا: (حِنْطَة) بدَل (حِطَّة).
ثم قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥].
إذا نظرنا إلى قوله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ فظاهِرُهُ أنها نزلَتْ، وإذا نظرنا إلى الشرطِ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ قلنا: إنها لم تَنْزِلْ؛ لأن اللَّه تعالى ذَكَرَ شَرْطًا لنُزولها ولم يُوجَدْ هذا الشرطُ، فدَلَّ عدمُ وجودِ الشرطِ على عدمِ وجودِ النُّزولِ، والشرطُ سواء ذكر في أولِ الآية أو آخرها فهو معْتَبَرٌ، فهذا التَّعْذيبُ
[ ٢٨٥ ]
الذي لم يُعَذَّبْ به أحدٌ من العالمين لم يحْصُلْ.
وأيضًا هذه المائدة لو نزلت لكانت عِيدًا لأَوَّلِهمْ وآخِرهِمْ، وهي الآن مجهولة فليس عندَ النصارى عيد يُسَمَّى المائدة، فهذه أدِلَّةُ من قال: إنها لم تنزل.
لو قالَ قائلٌ: هل العذابُ الذي سيَنْزِلُ عليهم غيرُ معروفٍ في الدُّنيا؟
الجواب: العذابُ معروفٌ في الدُّنْيَا وهو عُقوبَةٌ لهم؛ لأن الآياتِ المقتْرَحَةَ إذا نزلَتْ ولم يُؤمِنْ أصحابها فإنهم يُعَذَّبُونَ.
وقوله: [﴿قُلْ﴾ لهُمْ ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنزِّلُها كيفَ يشَاءُ]: ولو قال المُفَسِّر: ومتَى شاءَ. لكانَ أحسنَ.
وقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذه الجملَةُ حَصْرٌ، يعني: ما الآياتُ إلا عندَ اللَّهِ ليس عِنْدِي حتى أعْطِيَكم ما تقْتَرِحُونَ، وإذا كانت من عِندِ اللَّه فإنها تكونُ تبَعًا لمشَيئتِهِ وحكْمتِهِ يُنزِّلهُا كيفَ يشَاءُ ومتى شاءَ، فالحُكم إلى اللَّه، واللَّه ﷿ ينَزِّلهُا لحِكمة، ومع ذلك فإننا نعْلَمُ عِلْمَ اليقينِ أن اللَّهَ ما أرْسَلَ رسولًا إلا آتاه مِنَ الآياتِ ما يؤمِنُ على مِثلِهِ البَشَرُ؛ لأن اللَّه حكيمٌ لا يُرْسِلُ رسولًا يقول للناس: إني رسول اللَّه إليكم أَسْتَبِيحُ دِمَاءكُم وأمْوالَكُم ونساءَكُم إذا لم تُؤمِنُوا بي، فلا يُمَكِّنهُ اللَّه تعالى إلا بالآياتِ التي تُلْزِمُ الناسَ بقَبُولِ قولِهِ، ولو جاء رسولٌ بدونِ آيات لكان مُنَافِيًا للحِكْمَةِ.
وقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ في كِلَا العَبارَتين حَصْرٌ، لكن هل الحَصْرُ فيها حَقِيقِيٌّ أو إِضَافِيٌّ؟
الحصْرُ الأوَّلُ حَقِيقِيٌّ؛ لأن الآياتِ لا تكونُ إلا من عندِ اللَّه، ولا أحدَ يستطيعُ
[ ٢٨٦ ]
أن يَأْتِيَ بها.
والحصرُ الثَّانِي إضَافِيٌّ؛ لأن قولَهُ: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ باعتبارِ الواقِعِ والحقيقة، فإنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- ليس نَذِيرًا فَقَطْ بل هو نذيرٌ مُبِينٌ، وبَشِيرٌ، وسِرَاجٌ مُنير، فالحصرُ إضافِيٌّ -أي بالإضافة إلى كذا- فهو بالإضَافَةِ إلى الإتيانِ بالآيات غيرُ قادِرٍ، لكن يَقْدِرُ على شَيْءٍ آخرَ وهو الإنذارُ.
وقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقولُ العلماءُ: الإنذارُ هو الإخْبارُ بالمُخَوَّفِ، أما الإخبارُ بالمرْغُوبِ فيُسَمَّى بِشَارَةً، فالنَّبِيِّ ﵊ نَذِيرٌ، وهنا لم يَقُلْ: بَشِيرٌ؛ لأن المقامَ يقْتَضِي ذَلكَ، إذ هو يخَاطِبُ المكَذِّبينَ المعانَدِينَ.
وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى (بيِّن) ولهذا قال ﵀: [مُظْهِرٌ]، وقد عَلِمْنَا أن (بان) لا تستعمل إلا لازِمَةً، يقال: (بانَ الصَّبْحُ) إذا ظَهَرَ، و(بان هذا من هذا) إذا انفْصَلَ عنه، وأما (أبان) فتُسْتَعْمَلُ لازمةً ومتَعَدِّيةً، يقال: (أبانَ الصبحُ)، بمعنى بانَ وظهَر، ويقال: أبان الأمرَ، بمَعْنَى أظْهَرَه ووَضَّحَهُ، وفي بعض الأحيان تكونُ الآية لا تحتَمِلُ إلا اللازمَ، وفي بعض الأحيانِ لا تحْتَمِلُ إلا المتَعَدِّي، وأحيانًا تَصْلُح لهذا وهذا.
فالرسولُ ﵊ ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لإنْذَارِهِ، أو نَذِيرٌ بَيِّن الإنذارِ، وعلى هذا يكون النَّعتُ سبَبيًا أي: إذا جعلنا (مُبِين) بمعنى (بيِّن) والأصل أن النعتَ حَقِيقِيٌّ وليس سَبَبيًا.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [مُظْهِرٌ إنْذَارِي بالنَّارِ أهلَ المعْصِيَةِ]، أهلَ: مفعولٌ لإنْذَار؛ لأن إنذارَ مصدرٌ، والمصدر يعْمَلُ عَمَل فِعْلِهِ، فالرسول -ﷺ- هذا شأنُهُ وهذه وَظِيفَتُهُ أنه مُنذِر، أما أن يَأْتِيَ بالآيات إذا طُلِبَتْ، أو أنه يَهْدِي النَّاس إذا ضَلُّوا،
[ ٢٨٧ ]
فهذا ليس إليه، بل هذا إلى اللَّهِ ﷿ لأنه هو الذي يَمْلِكُ هذا.