* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦].
* * *
قوله: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في هذه الآيةِ إشارَةٌ إلى أن مُقْتَضَى العبودِيَّةِ والإيمانِ أن يقومَ الإنسانُ بحَقِيقَةِ ما تَقْتَضِيهِ هذه العُبودِيَّةُ؛ بحيث لا يَرَى لنفْسِهِ حقًّا بجانِبِ حقِّ اللَّه، بمَعْنَى ألا يُقَدِّمَ حظوظَ نَفْسِه على حُقوقِ رَبِّهِ، وليس المعنى ألا يقومَ بالأمْرَيْنِ؛ فإن الإنسانَ مأمورٌ بأن يقومٍ بالأمْرَيْنِ، كما قال النبي ﵊ لعبدِ اللَّهِ بن عَمرٍو: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا" (^١).
وإضافَةُ العُبودِيَّةُ إلى اللَّه هنا فيها من التَّشْرِيفِ والتَّكريمِ ما هو ظِاهِرٌ؛ لأن كون اللَّه يُنادِيهِمْ فيقول: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ ويضِيفُ ذلك إلى نَفْسِهِ، هذا له معنًى عَظِيمٌ.
وقوله: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ اعلم أن العِبادَةَ تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: عبادِةٍ كَوْنِيَّةٍ، وعبادة شَرْعِيَّةٍ.
فالعبادةُ الكوْنِيَّةُ: هي الخُضُوعُ لحُكمِ اللَّه الكَوْنِيِّ، وهذه ثابِتَةٌ في حقِّ جميعِ الخلقِ المؤمِنِ والكافِرِ والبَرِّ والفَاجِرِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع. . .، رقم (١٨٦٧) عن أبي جحيفة.
[ ٣٢٨ ]
والعبادةُ الشرعِيَّةُ: هي الخضوعُ للحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وهذه خاصة بمَنْ أطاعَ اللَّه ﷿؛ لأنه خضعَ لحُكْمِ اللَّهِ الشرعيِّ أَمْرًا ونَهْيًا.
واخترت أن أعبر بِقَوْلهِمْ: (حُكم) دون قولهِمْ (أمر) لأجلِ أن يَشْمَلَ الأمرَ والنَّهْي، فإن العبادةَ هي القيامُ بطاعَةِ اللَّهِ امتثالًا لأمْرِهِ واجتِنَابًا لنَهْيهِ.
ومن أمثلَةِ العُبودِيَّةِ العامَّةِ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فتُوُبوا إلى اللَّهِ، ولهذا قالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وأيضًا: قوله تعالى لإبليسَ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، إذا قُلْنَا: الاستِثْنَاءُ متَّصِلٌ، فالعُبودِيَّةُ عامَّةٌ.
ومثالُ العُبودِيَّةِ الخاصَّةِ قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، هذه عُبودِيَّةٌ خاصَّةٌ.
وقوله ﷿: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الذين) محِلُّهَا مِنَ الإعراب النَّصْبُ؛ لأن (عِبَادِيَ) منادَى منصوبٌ بسببِ الإضَافَةِ.
وقوله ﷿: ﴿آمَنُوا﴾ سبَقَ مرارًا أن الإيمان هو التصديقُ المسْتَلْزِمُ للقبُولِ والإذعانِ، وليس مجرَّدَ التَّصْدِيقِ كما قال أهلُ الإرْجاءِ.
قوله ﷿: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ هذا هو محطُّ النِّدَاءِ، المنَادَى ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمنادَى بِه قولُه: ﴿أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾.
وقوله: ﴿أَرْضِي﴾ الإضافةُ هنا هل هي من بابِ إضافَةِ المملوكِ إلى مالِكِهِ، فتكونُ من بابِ إضافَةِ الخلْقِ والتكوينِ فيكونُ المعْنَى: هاجِروا إلى بلادِ كُفْرٍ أو إسلامٍ، أو أنها من بابِ إضافَةِ الاختصاصِ، يعني الأرضَ التي هي مَحِلُّ عِبَادَتِي،
[ ٣٢٩ ]
وهي البلادُ الإسلامِيَّةُ؟ وهذا الثاني هو الظاهِرُ وهو أن اللَّهَ ﷿ يحُثُّ المقِيمِين في بلادِ الكُفْر أن يُهاجِرُوا إلى أرض اللَّه، كَمَا قال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧].
وقوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ الواسعُ: ضِدُّ الضَّيِّقِ، يعْني الذي يَسَعُ ما يكونُ فيه، أي: ليس فيها ضَيِّقٌ فلا حُجَّةَ لكُمْ في التأَخُّرِ عن الهِجرَةِ، ولهذا قال: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (إياي): إعرَابُهُ مفعولٌ به لفِعْلٍ محذوفٍ دَلَّ عليه ما بعْدَهُ والتقدِيرُ: إيَّاي خُصُّوا بالعِبادَةِ. أما مَفْعُولُ الفِعْلِ الموجودِ فَهُو محذوفٌ دَلَّتْ عليه نُونُ الوِقايَةِ.
وقوله: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ قد يقولُ قائلٌ: هذا يتَنَاقَضُ مع قوله: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾.
ولكننا نقول: لا تَنَاقُضَ؛ لأن المرادَ بقولِهِ: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ أي: أَدِيمُوا عبادَتِي وأكْمِلُوها؛ لأن الأمر بما هو واقِعٌ لَغْوٌ من القولِ، فحينئذٍ لا بُدَّ أن نُقَدِّرَ معْنًى يتَلاءمُ مع الأمرِ.
وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ هذه الآية تُفِيدُ الحَصْرَ والاخْتِصَاصَ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَاعْبُدُونِ﴾ فِي أيِّ أَرضٍ تَيَسَّرَتْ فِيهَا العبادةُ، بأن تُهاجِرُوا إليها مِنْ أرْضٍ لم تَتَيَسَّرْ فيها، نَزَلَ في ضُعفاءٍ مُسْلِمي مَكَّةَ كانُوا فِي ضِيقٍ مِنْ إظْهارِ الإسْلامِ بِهَا]: فاللَّهُ ﷿ رَغِبَ في الهِجرةِ في قولِهِ: ﴿أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، وأمَرَ بها في قولِهِ ﷿: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾؛ لأن العِبادَةَ لا تَتَحَقَّقُ في بلدِ الكُفْرِ، فإذا لم تَتحَقَّقْ فما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجبٌ، فعلى هذا تكون الِهجْرَةُ واجِبَةً.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [نَزَلَ في ضُعفاء مُسْلِمِي مَكَّةَ] صحيح، كانوا في ضِيقٍ
[ ٣٣٠ ]
مِنْ إظهارِ الإسلامِ بها فأُمِرُوا أن يُهاجِرُوا إلى بلادٍ يَسْتَطِيعُونَ أنُ يُقِيمُوا فيها دِينَهُم، فهاجَرَ جماعَةٌ مِنْهُمْ إلى الحَبشَةِ، ثم قِيلَ: مِنْ مُشْرِكِي قُريشٍ أسْلَمُوا، فرَجعوا، ولكن كفَّارَ قُريش ازْدَادُوا في اضطهَادِهِمْ -والعياذ باللَّه-، فرَجَعُوا مرةً ثانِيَةُ إلى الحبَشَةِ، ثم بعدَ ذلك أُذِنَ للنَّبِيِّ ﵊ أن يهاجِرَ هو وأصحَابُه إلى المدينَةِ فهاجَرُوا، فكانَ أوَّلَ بلدٍ إسلامَيٍّ تُقامُ فيها حكومةٌ إسلامِيَّةٌ هو المدينة، وتحقَقَّ ذلك بالهِجْرَةِ.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [كانُوا فِي ضِيقٍ مِنْ إظْهَارِ الإسلامِ بِهَا]، الضيقُ الذي حصَلَ مِنَ الكفَّارِ متَنَوِّعٌ بالقَوْلِ وبالفِعْلِ، وربما أدَّى إلى القَتْلِ، فكانوا يُعَذِّبُونهُمْ في شِدَّةِ الحرِّ في الرَّمضاءِ ويَضَعُونَ الأحجارَ الحامِيَةَ على بطونِهِمْ، ولكن ذلك لا يُثْنِيهِمْ عن دِينِهِمْ أبدًا؛ لأنهم مؤمِنُونَ حقًّا ويَرَوْن أنَّ الدنيا هذه ليست بشيءٍ، مِثْلَما قال السَّحرَةُ الذين آمنوا بمُوسَى، قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢].
وهذا هو الإيمانُ الحقِيقِيُّ أن الإنسان يَفْدِي دِينَهُ بنَفْسِه ومالِهِ، وأما الإيمانُ الهشُّ الذي إذَا أُوذِي صَاحِبُه في اللَّهِ جعلَ فِتْنَةَ الناسِ كعَذابِ اللَّهِ، فرجع عَمَّا كانَ عليه، هذا في الحقيقةِ إيمانٌ ناقِصٌ غايةَ النُّقْصَانِ، ومن حِكْمَةِ اللَّه ﷾ أن يَبْتِليَ الإنسانَ بالفِتَنِ في دِينِهِ لأجلِ أن يَتَبَيَّنَ صِدْقُ إيمانِه من ضَعْفِهِ كما تُفِيدُ هذه الآية، ولهذا قال بَعْدَهَا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.