* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧].
* * *
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ هذه قَضِيَّةٌ عامَّة (^١)؛ لأن جميعَ المخلوقات داخِلُونَ تحتَ عُمومِ: ﴿كُلُّ﴾ إلا ما دلَّ الدَّلِيلُ على استِثْنَائِهِ.
قوله: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: مَيِّتَة، لكن عَبَّر عن حقيقةِ الموتِ بالذَّوْقِ لأن الإنسانَ يذوقُ مرارةَ الموتِ وألمَ فِراقِ الحياةِ، إلا إذا كانَ مؤمنًا فإنه يَذُوقُهُ مِنْ وجْهٍ لكن يُهَوِّنُ عليه الأمرُ، وجهٌ آخر: وهو أنه إذا بُشِّرَ بالجنَّةِ عند موتِهِ فإنَّهُ يُسَرُّ بذلكَ ولهذا يَسْهُلُ على نفسه الخُروجُ؛ لأن الملائكة تَتَنَزَّلُ عليهم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، فيُسَرُّونَ بذلك ويَهونُ عليهم فراقُ الأحبَّةِ، ثم يَشْعُرونَ في هذه الحال أن إِمَامَهُم أَمَامهُم الرسولُ ﵊ وخلَفاؤُه الراشِدُون والصَّحابَةُ، فيقولُ المؤمن: الحمدُ للَّه أني أنْتَقِلُ من دارِ العَناءِ والشَّقاءِ والابتلاءِ والامتحانِ، إلى دارِ النَّعِيمِ مع النَّبِيِّ -ﷺ- وخلفائِهِ الراشدينَ وأصحابِهِ، فيَزْدَادُ بُشْرَى ويهونُ عليه الفِراقُ.
فهن نقولُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ولكن فرق بينَ المذَاقَيْنِ: بين مذاقِ المؤمنِ ومذَاقِ غيرِ المؤمنِ.
_________________
(١) انظر: رسالة في المنطق، إيضاح المبهم في معاني السُّلَّم (ص: ٦٢).
[ ٣٣٨ ]
وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ بعدَ الإشارةِ إلى الهِجرةِ كأنه يقولُ: بقاؤكُمْ في بلادِ الكُفْرِ من أجلِ التَّمَتُّعِ بالمالِ والبلاءِ والأوْطانِ نقصٌ في التَّفْكِيرِ؛ لأن هذا الأمرَ الذي أنتُمْ تحافِظُونَ عليه -وهو البقاءُ في البلادِ والتمتع بها- زَائِلٌ، فإذا كانَ زَائلًا ولا بُدَّ فكيف نُحافِظُ عليه ونَدَعُ ما هو أهمُّ وهو الهِجْرَةِ، ولهذا قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.
قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: ثم بعدَ الموتِ نرْجِعُ إلى اللَّه ﷿، وإذا رَجَعْنَا يتَبَيَّنُ الكشْفُ، أعني: كَشْفَ الحسابِ؛ لأن هذا الكتابَ ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، فلا يغادِرُ صغيرةً ولو صَغُرَتْ؛ لأن قوله: ﴿صَغِيرَةً﴾ نكرةٌ في سياقِ النَّفْيِّ فتَعُمُّ، وكذلك لا يُغادِرُ كبيرةً ولو عَظُمَتْ إلا أحْصَاهَا.
ولو أن الإنسانَ أرادَ أن يُحْصَي ما يتَكَلَّمُ به في اليوم لكان عنده في الأسبوعِ مجلَّدَاتٌ، ولقد جَرَّبْتُ هذا وتَبَيَّنَ لي عظِمَ الأمرِ، وذلك أن بعضَ الإخوانِ سجَّلُوا دُروسَنَا في الحرَمِ وكتَبُوها في أوراقٍ، ثم أتَوْنِي بها فوَجْدُتَها شيئًا كثيرًا ما ظَنَنْتُ أن تبْلُغَ هذا المبلَغَ، بعضُ الأسئلة يكونُ جوابُها صفْحَةً أو صَفْحَتَيْنِ، والإنسانُ يظن أن الجوابَ كلماتٌ يَسِيرَةٌ، نسألُ اللَّه أن يعْفُو عَنِ الجميعِ.
فالإنسانُ يجِبُ عليه أن يَعْتَبِرَ بمثلِ هذه الأمورِ، وينْظُرَ كم تَبْلُغُ كلماتُه في كلِّ يومٍ، وفي كلِّ أسبوعٍ، وفي كلِّ شهرٍ، وفي كلِّ سَنَةٍ، وفي العُمْرِ كلِّه.
وقوله: [﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ بالتَّاءِ والياءِ (^١) بعدَ البَعْثِ]: بالتاءِ والياءِ قراءتانِ سَبْعِيَّتانِ: "يُرْجَعُون" و﴿تُرْجَعُونَ﴾، والفرق بينهما من حيثُ المعْنَى أن (يُرجعون) للغائبِ، و(تُرجعون) للمخاطبِ.
_________________
(١) السبعة في القراءات (ص: ٥٠٢).
[ ٣٣٩ ]
وفي قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ ترغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، فالإنسانُ إذا نظرَ إلى رحمةِ اللَّه ﷿ وسَعَى في عَفْوِهِ رَغِبَ وقال: سأرجِعُ إلى ربٍّ عَفُوٍّ كريمٍ، وإذا نظَرَ إلى شدَّةِ عِقابِهِ وأن أَخْذَهُ أليم شديدٌ فإنه يخافُ.
وهل يُغَلِّبُ جانبَ الرجاءِ أو جانبَ الخوفِ؟
فيه آراء لأهلِ العِلم، منهم من قال: يُغَلِّبُ جانبِ الرَّجاءِ، ومنهم من قال: يُغَلِّبُ جانبَ الخوفِ، والآيات فيها دِليلٌ لكِلَا القولَيْنِ كما في قوله ﷾: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، فبدأ بالمغفرةِ والرَّحْمَةِ قبلَ ذلكَ العَذابِ، وكذلك قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، فبدأ بالتَّهْدِيدِ قبلَ الوَعِيدِ.
وقال بعضُ العلماء: في حالِ الصِّحَّةِ يُغَلِّبُ جانبَ الخوفِ حتى يَسْتَقِيمَ على أمرِ اللَّه، وفي حالِ المرَضِ يُغَلِّبُ جانبَ الرَّجاءِ، لأجل أن يُلاقِيَ اللَّهَ وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ، فاعتَبَرُوا اختلافَ الحالينِ.
وقال آخرون: يجْعَلُ خوفَهُ ورَجَاءَهُ واحدًا، قال الإمامُ أحمد ﵀: ينْبَغِي أن يكونَ خوفُهُ ورَجُاؤُه واحدًا، فأيهما غَلَّبَ هلَكَ صاحِبُه؛ لأن إن غلَّب جانب الخوفِ استَوْلَى عليه اليأسُ من رَحْمَةِ اللَّه، وإن غلَّب جانبَ الرَّجاءِ استَوْلَى عليه الأمْنُ من مَكْرِ اللَّه، فيكون بين هذا وهذا.
وقال بعضُ العلماء: في حالِ الطاعَةِ يغَلِّبُ جانبَ الرَّجاءِ، وفي حال المعْصِيَةِ يغَلِّبُ جانبَ الخوفِ، يعني: إذا عَمِلَ الطَّاعَةَ يقول: أرْجُو أن يَقْبَلَهَا اللَّه فينْشَطُ على العبادِةَ، وفي المعصية يُغَلِّبُ جانبَ الخوفِ لئلا يَفعَلَ المعْصِيَةِ أو يستمِرَّ عليها بدون تَوْبَةٍ.
[ ٣٤٠ ]
والذي يظْهَرُ -واللَّه أعلم- إذا لم يكن هناك سببٌ لتَغْلِيبِ أحَدِهما على الآخر فالأَوْلَى أن يكون سواء، أما إذا كان هناك سببٌ فإنه ينْبَغِي أن يَتَّبِعَ ذلك السَّببَ، فإذا هَمَّ بالمعْصِيَةِ لو جعلَ رجاءَهُ وخوفَهُ سواء هانَتْ عليه؛ لكن لو غلَّب جانبَ الخوفِ وتَذَكَّرَ عظمَةَ من يَعْصِيهِ كان ذلك أدْعَى لتَجَنُّبِ المعصِيَةِ، وأما إذا وقعَ في المعصية وأراد التوبة قُلْنا: غَلَّب جانبَ الرَّجاءِ.
لو قالَ قائلٌ: الرَّسُولُ -ﷺ- دخل على غُلامٍ وهو يحتَضِرُ فقال: "كَيْفَ حالُكَ؟ " فقال: أرجو اللَّه وأخافُ ذُنُوبي. فقال الرسول ﵊: "مَا اجْتَمَعَا فِي قَلْبِ عَبْدٍ في مِثْلِ هذا الموْطِنِ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ" (^١)، أو كما قال -ﷺ-، ألا يَدُلُّ هذا على استواءِ الخوفِ والرَّجاءِ؟
فالجواب: أن المسألةَ لها أحوالٌ، وقد تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهَا، وهذا الحديث نَنْظُرُ صِحَّتَهُ من ضَعْفِهِ.
لو قال قائلٌ: الكلامُ المباحُ الذي ليس بحَسَنَةٍ ولا سَيِّئَةٍ هل يَكْتُبُه المَلَك، وهل يُمْحَى بعد ذلك أم لا؟
فالجواب: الكلامُ العَادِي -واللَّه أعلم- المؤكَّدُ أنه يُكْتَبُ، أما مسألة هل يُمْحَى أو لا؟ فلا أَدْرِي، إلا ما أخْبَرَ اللَّهُ به من أنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئاتِ قال تعالى:
_________________
(١) أخرجه الترمذي: كتاب الجنائز، باب ما جاء أن المؤمن يموت بعرق الجبن، رقم (٩٨٣)؛ والنسائي في السنن الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول المريض إذا قيل له: كيف تجدك؛ رقم (١٠٩٠١)؛ وابن ماجه: كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد، رقم (٤٢٦١) عن أنس، ولفظ الترمذي: أن النبي -ﷺ- دخل على شاب وهو في الموت فقال: "كَيْفَ تَجِدُكَ؟ " قال: واللَّه يا رسول اللَّه إني أرجو اللَّه وإني أخاف ذنوبي. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ".
[ ٣٤١ ]
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فتُكْتَبُ الحسناتُ وتُمْحَى السِّيِّئاتُ، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، يدْخُلُ في هذا النَّوعِ، فالكلامُ العادِي يُكْتَبُ لكن لا يُجَازَى به.
لو قال قائل: ورَدَ فيمن قال: تَعِسَتِ الدَّابَّةُ، أن مَلِكَ السَّيئاتِ يقول: ليست بحَسَنَةٍ ولا سَيِّئَة فأَكْتُبها (^١)، وقال ملك الحسنات: ليستْ بحَسَنَةٍ ولا سيئةٍ فأَكْتُبها، فأخبرَ اللَّه ﷾ أن ما ليس بحَسَنَةٍ ولا سَيِّئةٍ يُكتَبُ سيئة؟
الجواب: هذا حرامٌ ولا يَجُوزُ أن يَنْسِبُوه إلى اللَّه ﷿، اللَّه لم يَقُلْ تُكْتَبُ سيِّئة، بل قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].