* * *
* قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَن جَهَدَ﴾ جِهادُ حَرْبٍ أو نَفْسٍ]، أفَادنَا المُفَسِّر من هذه العبارةِ أن الجِهادَ ينْقسمُ إلى قِسمَينِ:
* جهادِ حَرْبٍ، وذلك بجهادِ الأعداءِ.
* وجهادِ نفْسٍ، وذلك بأن تُجاهِدَ نَفْسكَ على فِعلِ الطاعاتِ وعلى تَركِ المحرَّماتِ.
والجهاد: بذلُ الجُهدِ في الشيء، والذي يجاهِدُ لا يُجاهدُ للَّه وإنما يعْملُ لنَفْسهِ، كقولِه تعالى: ﴿مَّن عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦].
وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾، فإنَّ مَنْفعَةَ جِهادِهِ لَهُ لَا للَّه]، وذلك لأنه مأجورٌ، سواءٌ جاهَدَ نفْسَه أو جاهدَ غيرَهُ، مع أنه إذا جاهدَ غيرَهُ قَد تكون منْفعتُهُ أيضًا للغَيرِ، فإن هذا الغيرَ بالجهادِ رُبَّما يَدخُلُ في دِينِ اللَّهِ، وحينئذٍ يحصُلُ له منْفَعَةٌ.
المُهِمُّ أن اللَّهَ ﷾ لا ينْتفِعُ بهذا الجهادِ، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا تَعْليلٌ لقولِه: ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾، فاللَّهُ ﷾ غَنِيٌّ عنهم،
[ ٢٦ ]
لا ينتَفِعُ بطاعَتِهِم ولا يتَضَرَّرُ بمَعْصِيَتِهِمْ، ومعْنَى غِنَاهُ عنهم: كونُهُ لا يحتاجُ إليهم لما عِندَهُ مِنَ الجُودِ والسَّعَةِ والتَّدبيرِ للأمورِ، فهو لا يحتَاجُ إلى العالمِينَ كُلِّهِمْ.
وقولُه ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ الإِنْسِ والجِنِّ والملائِكَةِ وعَنْ عِبَادَتِهِمْ]: فهو غَنِيٌّ عنهم لا يحتاجُ إليهِمْ، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]، وكذلك غَنِيٌّ عن عِبَادَتِهِمْ، لأن عِبَادَتِهِمْ إنما تكونُ منْفَعَتُهَا لهُم، أما اللَّهُ ﷿ فإنه لا يَنْتَفِعُ طاعَةِ الطَّائِعِينَ، ولا يَتَضَرَّر بمعصيةِ العاصِينَ، وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾: الجُملَةُ هنا مُؤكَدةٌ بمُؤَكِّدَينِ وهما: (إنَّ) و(اللام).