الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ الأفعالِ الاختِيَاريَّةِ للَّه ﷿ لقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ﴾، ﴿وَيَرْحَمُ﴾، وهذا هو مَذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة مِنَ السَّلَفِ والأئِمَّةِ، أن اللَّه يفعلُ ما يشاءُ، وخالفَ في ذلك الأشاعِرَةُ وغيرهم، فقالوا: إن اللَّه ﷾ لا يتَعَلَّقُ به فِعْلٌ حادِثٌ، وعلَّلُوا ذلك بأنه لا يقومُ الحادث إلا بحادِث، وأننا لو أثْبَتْنَا حدوثَ الأفعالِ للَّه لَزِمَ من ذلك أن يكونَ اللَّه تعالى حادِثًا.
ولا ريب أن هذا قولٌ باطِلٌ؛ لأننا نقول لهم: من قال لكم: إن الحادِثَ لا يقومُ إلا بحادِثٍ، من أين جاءت هذه القاعدةُ، هل هي في القُرآن، هل هي في السُّنَّةِ، هل هي في العَقْلِ؟
ثم إننا نقابلُ هذه القاعدةَ الفاسِدَةَ بقاعِدةٍ أكملَ منها وأوضحَ، وهي: أن الفَعَّال لما يُريدُ أكملُ من الذي لا يَفْعَلُ، فأنتم إذا عطَّلْتُم اللَّه ﷾ عن أفعالِهِ الاخْتِيارَّيةِ فمعنى ذلك أنكم وصَفْتُموهُ بأنْقَصَ ما يكون، وهذا أمرٌ معلومٌ لجميعِ العُقلاءِ: أن الفاعل لما يُريدُ أكملُ من الذي لا يفْعَلُ، وأكملُ من الذي يجْبَرُ على الفعلِ أيضًا.
الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ المشيئةِ للَّهِ ﷿ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ في الموضِعين.
[ ٩١ ]
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن الرَّحمَةَ لا تُطْلَبُ إلا من اللَّه، لقولِهِ: ﴿وَيَرْحَمُ﴾، وهذا في مقام التَّقْسِيمِ يَدُلُّ على الاختِصَاصِ، ﴿يُعَذِّبُ﴾ ﴿وَيَرْحَمُ﴾، فلا تَطْلُبُ الرحمة إلا مِنَ اللَّهِ، حتى الذين يَرْحَمون مِنَ الخلْق ينْبَغِي عندما تَطُلُب رحمتَهم أن تجعل ذلِكَ متَعَلِّقًا باللَّه؛ لأن اللَّه ﷿ لو شاء أن لا يَرْحمُوكَ لم يرحموك.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: إثباتُ البعثِ لقولِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسة: التحذيرُ مِنَ المخالَفَةِ؛ لأنه إذا كان المرجِعُ إلى اللَّه فاحذر من مخالَفَتِهِ، فإن هذا يُشْبِهُ التَّهْدِيدَ والوَعيدَ مِن المخالَفَةِ.
* * *
[ ٩٢ ]