الفَائِدةُ الأُولَى: أن الكفَّار لا يدْخلونَ الجنَّة؛ لقوله ﷿: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ الآياتِ الكونِيَّةِ والشرْعِيَّةِ للَّه ﷿؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثَةُ: رحمةُ اللَّهِ تعالى بالعِبادِ؛ حيثُ أظهرَ لهم مِنَ الآياتِ ما يؤمنون على مِثْلِهِ، فمن نِعْمة اللَّه تعالى أن يُرِيَ عبادَه مِن آياتِه ما يؤمنونَ على مِثْلِهِ، ولهذا كلَّما ظَهَرَ للإنسانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ شيءٌ كانت نِعمَةُ اللَّهِ عليه أكبرُ وأشدُّ في رُسوخ إيمانِهِ.
[ ١٠٢ ]
ومن ذلك الكَراماتُ التي حَصَلت لبعضِ أولياء اللَّهِ، فإنها تَزِيدُ في إيمانهم وتؤيدُ ما كانوا عليه مِنَ الحق، قال شيخُ الإسلام ﵀: "وكَثُرَتِ الكراماتُ في زَمنِ التابِعينَ دونَ الصَّحابَةِ، لأن الصحابة عندِهُم منَ الإيمانِ ما ليس عندَ التَّابِعين، فليسوا في حاجَةٍ إلى كَرامات تُقَوِّي إيمانَهُم كحاجَةِ التَّابِعِينَ"، ذكر هذا في كتاب الفُرقانِ (^١)، وهذا حَقٌّ، فإنك إذا تأمَّلْتَ الكراماتِ التي ذُكِرَتْ وجَدْتَها في التابِعين أكثر، والمهِمُّ أن إظهارَ الآياتِ للإنسانِ سواء كانت شَرعِيَّةً أم قَدرِيَّةً: من نِعمةِ اللَّه عليه؛ لأنها تَزيدُ في إيمانِهِ ورُسوخه في القَلبِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: إثباتُ رؤيةِ اللَّه ﷿، لقولِهِ: ﴿وَلِقَائِهِ﴾، فإنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ استدَلُّوا بذلك على إثبات الرُّؤَيةِ؛ لأن الملاقاة إذا لم يكنْ مانعٌ فلا بُدَّ حينئذ مِنَ الرُّؤية، ولا مانِعَ يمنَعُ.
وهذه المسألةُ فِيها خِلافٌ كثيرٌ بين أهلِ السُّنَّةِ وأهلِ البِدع، والصوابُ الذي دلَّ عليه الكِتابُ والسُّنة إثباتُ رؤيةِ اللَّه تعالى بالعين، وأنه في الآخرة يُرَى، أما في الجنَّةِ فيرَاهُ المؤمنون ولا يَراهُ غيرُهم لأنهم ليسوا فيها، وأما في عَرصاتِ القيامة فالصَّحِيحُ أنه يَراهُ المؤمنونَ ويَرَاه المنافِقُونَ، لكنَّ المنافقين يَرَوْنَهُ رؤيةَ تَنْديمٍ لا رؤية تَنْعِيمٍ، لأن اللَّهَ ﷾ يظهر لهذه الأمَّةِ وفيها منافِقُوها فيُكْشَفُ لهم عَنْ سَاقِهِ ﷿ ويأمُرُهم بالسُّجودِ، فمن كان يسْجُد للَّه سَجدَ، ومن كان لا يسْجُدُ إلا رِياءً وسُمْعَةً يَعْجَزُ فلا يسْجُدُ.
فالمؤمنون يَرْونَه رؤيةَ تَكريمٍ، وهؤلاء يَرَونَه رؤيةَ تَنْديم؛ لأنهم إذا حُجِبُوا عنه بعدَ ذلك صارَ أشَدَّ وقْعًا في نُفوسِهِم، مثلُ المنَّافِقِين الذين يُعطَوْنَ نورًا يوم القيامة
_________________
(١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، (ص: ١٦٦).
[ ١٠٣ ]
ثم يُحْجبُ عنهم، فهذا وقْعُه عليهم أشدُّ من الذين لم يُعْطُوا نورًا مِنَ الأصْلِ.
إذا قالَ قائلٌ: هذه الرُّؤيَةُ كيفَ تُقِرُّونَها وتؤمنون بها مع أن اللَّه جَلَّ وَعَلَا يقولُ لموسَى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ويقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
فالجوابُ: أن قولَهُ لموسَى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ جواب لقولِ مُوسَى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ وهو يريدُ رؤيةَ ربِّه الآن، ولهذا قال: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فدَلَّ هذا على أن نَفْي الرُّؤَيةِ في ذلك الوقتِ، وهذا حَقٌّ، فإن اللَّه جَلَّ وَعَلَا لا يُرَى في الدُّنْيَا لعَجْزِ الإنسان عن تَحمُّلِ ذلك، وقد ضَربَ اللَّه لرَسولِه موسَى -ﷺ- مَثلًا بالجبلِ، فإنَّ اللَّه تعالى لما تَجَلَّى للجبلِ جَعلَهُ دَكًّا وخرَّ موسى صَعِقًا.
أما قوله ﷿: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، فهي إلى الدَّلالَة على ثُبوتِ الرؤية أقربُ من الدَّلالةِ على نَفْي الرؤية، لأن اللَّه -جل ذكره- لم يَقُلْ: لا يُرَى، بل قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ ونَفْيُ الأخَصِّ لا يدُلُّ على نَفْي الأعَمِّ؛ لأن الإدراكَ أخصُّ من مُطلَقِ الرُّؤيةِ، وهذه قاعِدةٌ معروفةٌ عندَ أهلِ العِلم.
فهنا نقول: إن الآية تَدلُّ على أنه ﷾ يُرَى؛ لأنه لو لم يُرَ لقال: لا تَراهُ الأبصارُ، فلما قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عُلِمَ أنه ﷾ يُرَى لكن لا يُدرَك، ونحن نقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ حتى في الآخرة، فإنه لا يُمكِنُ الإحاطةُ باللَّه ﷿، لكنَّه يُرَى.
وضَرْبُ المثل لا بأس به لكن مع الفَرْقِ: ألَسْنَا نرَى الشمسَ ولا نُدْرِكُهَا؟ بل نَرى أصغرَ حيوانٍ بالعين ومع ذلك لا ندرك ما فِيه مما خلَق اللَّه في جوفِه أو في جِلْدِهِ.
[ ١٠٤ ]
فالحاصلُ: أنه لا يلزمُ مِن نَفْي الإدراكِ نَفْي الرؤية، بل هو دَليلٌ على ثُبوتِ الرُّؤَيةِ؛ ولهذا استدَلَّ أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ بهذه الآية على ثُبوتِ الرُّؤَيةِ.
أما الكفَّارُ فإنهم لا يَرَونَ اللَّه ﷿ يومَ القِيامَةِ، والذي يستدل بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، نقول: قد دلَّ قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، على أن الكافِرَ لا يَرى اللَّه تعالى يومَ القِيامَةِ.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: وجوبُ الإيمانِ بلقاءِ اللَّه ﷿؛ لأنَّ اللَّه تعالى عاقَبَ الذينَ لا يؤمِنونَ بذلك باليأسِ مِن رَحمَتِهِ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: ثبوتُ الرَّحمةِ للَّه جَلَّ وَعَلَا؛ لقَولِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾، والإضافةُ هنا إن قلنا: إن المرادَ بالرَّحمةِ الجنَّةَ، فهي من بابِ إضافَةِ المخْلوقِ إلى خالِقِهِ تَشْرِيفًا وتَكْريمًا، وإذا قُلنَا: إنها صفةٌ من صفاتِ اللَّه، فهي من بابِ إضافَةِ الصفةِ إلى مَوْصوفِها.
والمضافُ إلى اللَّه تعالى نوعان: إما أعيانٌ وإما أَوْصافٌ، والأعيانُ إما أن تكونَ إضافَتُهَا إلى اللَّه على سبيلِ العُمومِ أو على سبيلِ الخُصوصِ.
فالأولُ الذي يُضافُ إلى اللَّه على سبيلِ العُمومِ: يرادُ به أن اللَّه ﷿ خالقٌ لهذا الشيءِ، كما في قوله ﷿: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، وهذا يَشْمَلُ كلَّ ما في السمواتِ والأرضِ، وإما أن يكون خاصًّا يُرادُ به التَّشْرِيفُ والتكريم، مثل: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ و(بيتُ اللَّهِ) و﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ وما أشبه ذلك.
أما إذا كان المضافُ إلى اللَّه ﷾ وَصْفًا لا يقومُ بغَيْرِهِ فإنه يكونُ صِفَةً
[ ١٠٥ ]
منْ صفاتِ اللَّه، مثلُ: كلام اللَّه، وقُدرة اللَّه، وعِزَّة اللَّه، وما أشبه ذلك، وبهذا استدَلَّ أهلُ السُّنَّةِ على أن القرآنَ غيرُ مخلوقٍ؛ لأن القرآن وصْفٌ يقوم بالمتَكَلِّمِ، فهو كلامٌ يقومُ المتكلِّم به، فهو من إضافَةِ الصِّفة إلى الموصوفِ بها.
لو قال قائل: أضافَ اللَّه ﷿ رُوحَ آدمَ ورُوحَ عِيسى -﵈- إليه، هذه الإضافة مِنْ أيِّ الأقْسامِ؟
فالجواب: هذه الإضافِةُ من باب إضافَةِ المخلوقِ إلى الخالقِ تَشْريفًا، وذلك لأنَّ الرُّوحَ عينٌ لا صِفَةٌ؛ لأنها تُقْبَرُ وتُلَفُّ في الكفَن -كما جاء في الحديث-: "وَيُصْعَدُ بِها إِلى اللَّهِ تعالى" (^١)، فهي عَيْنٌ لكنها عَينٌ غيرُ مَعْلومَةٍ ليس لها نَظِيرٌ فما نُشَاهِدُهُ، فهي ليست كالأعْيانِ الجِسْمِيَّةِ، ولهذا قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، ثم قالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وأما قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: مِنَ الأَرْواحِ التي يخْلُقُها لأنَّ الأرْواحَ مخلُوقَةٌ للَّه، وليس المعْنَى أني جَعلْتُهُ جُزءًا مِنِّي، فهذا ما أحدَثَهُ إلا الحُلولِيَّةُ مِنَ النَّصارِى وأشبَاهِهِمْ.
لو قال قائلٌ: عبدُ اللَّهِ وعبدُ الرحمنِ مِنْ أيِّ أقسامِ الإضَافَةِ؟
فالجواب: هذه الإضَافَةُ تكون على سبيلِ الخُصوصِ وعلى سبيل العُمومِ، فإذا قلنا: (عبدُ اللَّه) فالمرادُ العُبودِيَّةُ العامَّةُ، وإذا قُلنا: (عبادُ الرَّحْمنِ) فالمرادُ الخُصوصُ.
الفَائِدةُ السَّابِعة: إثباتُ العُقوبةِ للكَافِرينَ، وأنها عقوبةٌ شَدِيدةٌ، لقولِهِ ﷿: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، والآياتُ في هذا كَثِيرةٌ جِدًّا، ولا حاجَةَ إلى كثْرةِ الكلامِ فيها لأنها واضحةٌ والحمدُ للَّه.
_________________
(١) معناه عند: أحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)؛ الحاكم في المستدرك (١/ ٩٣) (١٠٧)؛ مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤) (١٢٠٥٩)؛ الطبراني في الكبير (٣/ ٥٨) (٢٦٧٦).
[ ١٠٦ ]