الفَائِدةُ الأُولَى: بيانُ طُغيانِ قومِ إبراهيمَ ﵇، حيث إنه يَدُلَّهُم على الحقِّ ولكون هذا جوابُهُمْ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: اختلافُ قومِ إبراهيمَ ﵇ فيما يَصْنَعونَ به ثم قرَّروا إحراقَهُ، وذلك بناء على الجَمعِ بين هذه الآية وبينَ آيةِ الأنبياء، قال ﷾: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: تمامُ قُدْرَةِ اللَّهِ، حيث كانت هذه النَّارُ المحرقِةُ برْدًا وسلامًا على إبراهيم؛ لأن هذا مِن آياتِ اللَّه الدَّالَّةِ على قُدرَتهِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن كلَّ مَن قامَ للَّه فإنَّ اللَّه يُنَجِّيهِ بمَفَازَتهِ، يعني: يُنْجِيهِ في موضعِ هَلاكِهِ، قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: أن اللَّهَ ﷾ يُقَدِّرُ مِنَ الأمورِ لإنْجاءِ أوليائهِ ما لا يخْطُرُ بالبالِ، وإلا فمَن يخطُرُ ببالِهِ أن هذه النارَ العَظيمةَ تكون بَرْدًا وسَلامًا؟ ولكنَّ اللَّه ﷾ يُقَدِّرُ لأوليائِهِ مِن أسبابِ النَّجاةِ ما لا يخْطُرُ لهم على بالٍ.
[ ١١٣ ]
الفَائِدةُ السَّادسَةُ: أن الجماداتِ تَعْرِفُ رَبَّها فتَمْتثِلُ لأمرِهِ؛ لأن اللَّه جَلَّ وَعَلَا قالَ لهذه النَّارِ: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾.
الفَائِدةُ السَّابِعة: أن الأسبابَ لا تَفْعَلُ فِعلَها إلا بإرادَةِ اللَّه ﷿، فالأسبابُ مهما قَوِيَتْ لا تَفعلُ الفِعلَ إلا بإذنِ اللَّه ﷿، فمعنى أن اللَّهَ تعالى قد يمْنَعُ تأْثِيرَها، فالنارُ سببٌ للإحْراقِ بلا شَكٍّ، وهنا سُلِبتْ هذه السَّبَبيةَ ولم تؤثِّر.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: أن الآيات لا ينْتَفِعُ بها إلا المؤمنونَ، لقولِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وقوله هذا لا ينَافي ما جاءَ في عِدَّةِ آياتٍ كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وكقولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُتَفَكَّرُونَ﴾ وما أشبَه ذلك؛ لأن العَقلَ والتَّفَكُّرَ ونحوهما من مقْتَضَياتِ الإيمانِ، فكلَّما كانَ الإنسانُ أقْوَى إيمانًا كانَ أكثرَ عَقلًا وتفَكُّرًا، والتفكُّرُ أيضًا يدْعُو إلى الإيمانِ، فهُمَا متَلازِمَانِ.
لو قالَ قائلٌ: هل ثبتَ أن أحدَ الصَّحابة نَجَا مِنَ النَّارِ بعدَ إلقائه فيها وكانت آيةً كإبراهيمَ ﵇؟
فالجواب: نعم ثبت ذلك، ذكره ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (^١)، وقال: إنه ما مِنْ آيةٍ لنبيٍّ سابِقٍ إلا كانت آيةً للنَّبِيِّ ﵊ أو أعظمَ، لكن منها ما جَرى للرَّسُولِ ﵊ نفْسِهِ، ومنها ما جَرَى لأمَّته، وما جَرى لأُمَّتِه فإنه من آياتِهِ لأنه يشهدُ بصِحَّةِ الطريقةِ التي هُم عليها، فيكونُ ذلك مِنْ آياتِ النَّبِيِّ ﵊.
_________________
(١) البداية والنهاية (٩/ ٣١٠).
[ ١١٤ ]