الفَائِدةُ الأُولَى: أن الذُّرِّيةَ التي يَمُنُّ اللَّهُ بها على العَبدِ مِنْ مِنَحِ اللَّه ﷿ لقولِهِ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾، لكن هذه المِنْحةَ قد تكون مِحْنَةً إذا أضاعَ الإنسانُ حقَّ اللَّه فيهم، ثم هو مأجورٌ على تَرْبِيتِهِمْ وتَوجِيهِهِمْ، والغالبُ إذا قامَ الإنسانُ بما يجِبُ للَّه في تربِيَةِ أولادِهِ فإنهم يَصْلُحونَ ولو في المستَقْبَلِ.
الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: أن ابنَ الابنِ ابنٌ؛ لأن يعقوبَ ابنُ ابنِ إبراهيمَ، وجَعَل اللَّهُ ﷿ إسحاقَ مَوهُوبًا لإبراهيمَ، ويدل لِذَلكَ قولُ الرسولِ ﵊ في الحسنِ ابنِ عَليِّ بنِ أبي طالب: "إِنَّ ابْنى هَذَا سَيِّدٌ" (^١)، والعلماءُ أجْمَعوا في بابِ الميراثِ أنَّ ابنَ الابنِ بمنزلَةِ الابنِ عندَ فَقْده، وإذا كان ابنُ الابنِ ابنًا لَزِمَ أن يكونَ أبو الأبِ أبًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصلح، باب قول النبي -ﷺ- للحسن بن علي -﵄-، رقم الحديث (٢٥٥٧).
[ ١٣٢ ]
ولهذا يروَى عن ابنِ عبَّاسٍ -﵄- أنه قال في زيدِ بنِ ثابِتٍ -﵁-: "ألَا يتَّقِي اللَّهَ زَيدٌ يجْعَلُ ابنَ الابنِ ابنًا، ولا يجعَلُ أبا الأبِ أبًا" (^١)، وهذا هو الصحيحُ، فيكون على هذا فيه دَلِيلٌ على سُقوطِ الإخْوَةِ بالجدِّ في بابِ الميراثِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: فضيلةُ إبراهيمَ ﵇ وبَركتُهُ لقولِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، وهذا هو الثَّناءُ المبارَكُ، وذلك بأن يكون في ذُرِّيَّةِ الإنسانِ من يُعطِيهُ اللَّه ﷾ النُّبُوَّةَ والكِتابَ، أما النُّبوة بعد محمَّدٍ -ﷺ- فمتَعِذِّرَةٌ ومُسْتَحِيلَةٌ، أما الكتابُ الذي هو العِلْمُ فربما يجعلُ اللَّه ﷾ في ذُرِّيَّةِ الإنسانِ بركةً في العِلْمِ ونَشْرِهِ.
ومن ذلك قِصَّةُ عبدِ اللَّه بن أبي طَلْحة حيثُ دَعَا النَّبِيُّ -ﷺ- أن يبارِكَ اللَّهُ لأبي طَلْحَةَ في لَيلَتِهِ مع أهلِهِ، فصارَ لَعبدِ اللَّهِ هذا عَشْرَةٌ مِنَ الولَدِ كلُّهُم يحفْظُونَ القُرآنِ (^٢)، وحِفْظُ القُرآنِ عندَ السلفِ ليس بالأمْرِ الهَيِّنِ كما هو عندنا الآن، الإنسانُ يحفَظُ القرآن ولكن لا يظْهَرُ عليه أَثَرُهُ، لكن عندَ السَّلَفِ إذا حَفظَ الإنسانُ القُرآنَ ظهَرَ عليه أَثَرُهُ بالسَّمْتِ والآدابِ والأخلاقِ والأعمالِ الصَّالحةِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: إثباتُ الجزاءِ، لقولِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾.
الفائِدَتانِ الخَامِسةُ والسَّادِسَةُ: أن الإنسانَ قد يُعَجَّلُ له الجزاءُ في الدنيا، لقوله ﷾: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾، وتَعْجِيلُ الجزاءِ للإنسانِ في الدنيا لا يُعَدُّ حِرمانًا له مِنْ أجرِ الآخِرَةِ، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وينْبَنِي
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (٧/ ٦٤)، وإعلام الموقعين (١/ ١٦٩)، وبداية المجتهد (٤/ ١٦٣).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ١٠٥، رقم ١٢٠٤٧)؛ وابن حبان (١٦/ ١٥٥، رقم ٧١٨٧)؛ وأبو يعلى (٦/ ٤٧٢، رقم ٣٨٨٢).
[ ١٣٣ ]
على هذه الفَائِدة أنَّ تَعْجِيلَ الثوابِ للإنسانِ في الدُّنَيا مِنْ نِعْمَةِ اللَّه على العبد؛ لأنَّ الإنسانَ يرَى أثرَ عَملِهِ فينشَطُ على العَملِ سواءٌ كان هذا الأثرُ في الأشياءِ الخارِجِيَّةِ أو كان في نفْسِ الإنسانِ، أي: في باطِنِهِ.
مثال ذلك من ثوابِ الأعمالِ الصالحِةِ: أن يجِدَ الإنسانُ في قَلبِهِ السُّرورَ والنُّورِ والارتياحِ إلى العَملِ الصالحِ، وهذا لا شكَّ أنه من الثوابِ العاجِلِ، ومثالُ الأشياء الخارجية أن تُرى له مَرَاءٍ سارَّةً، كما أخبرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بأن ذلك عاجلُ بُشْرى المؤمِنِ، أعنِي الرُّؤيا الصالحة يَراهَا الرجُلُ أو تُرَى له، قال النبي ﵊: "تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى المؤْمنِ" (^١)، قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤].
الفَائِدةُ السَّابِعة: يجوزُ الوصفُ بالمعنى الأعَمِّ دونَ الأخَصَّ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وجهُ ذلك أن وصْفَ الصَّلاحِ أعَمُّ من وصَفَ النُّبُوَّةَ، ويجوزُ أن يُوصفَ به النَّبِيُّ -ﷺ-، والأنبياءُ في ليلَةِ المعراجِ يقولون للرسول -ﷺ-: "مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ" (^٢).
الفَائِدةُ الثَّامِنة: تأكيدُ الثَّناءِ على إبراهيم ﵇، لقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حيثُ أُكِّدَتِ الجُملَةُ بـ (إن واللام).
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره، رقم الحديث (٢٦٤٢).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، رقم الحديث (٣٤٩)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول اللَّه -ﷺ-، رقم الحديث (١٦٤).
[ ١٣٤ ]