الفَائِدةُ الأُولَى: أن اللَّه أجابَ دُعاءَ لُوطٍ ﵇، لقولِ الرُّسلِ: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: إثباتُ أن مِنَ الملائكةِ رُسلًا، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ﴾، وفي القُرآنِ في سُورَةِ فاطِرٍ: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١].
وهل المرادُ أن كلَّ مَلَكٍ فهو رَسولٌ أو أن منهم رسلًا؟
الظاهرُ الثَّاني؛ لأن مِنَ الملائكَةِ من هو قائمٌ راكِعٌ للَّهِ ساجِدٌ، ومنهم من يُرسِلُهُم اللَّه.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن الرَّسولَ يُطلَقُ على البشَرِ والمَلَكِ، بخلافِ النَّبِيِّ فإنه لا يُطلقُ إلا على البَشَرِ، فيكونُ الرَّسولُ أعَمُّ من حيثُ متَعَلَّقِهِ، يعني يكون للبشَرِ والملائِكَةِ، وفي القرآن الكريم قال اللَّه ﷾: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠]، وفي الآية الثانية قال ﷿: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١]، فالرَّسُولُ في الآيةِ الأُولَى في سُورَةِ التَّكوير
[ ١٥٤ ]
جِبريلُ، والثاني محمَّدٌ -ﷺ-.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن مِنْ طَبِيعَةِ البَشَرِ الفَرحَ بالولدِ، لقوله تعالى: ﴿بِالْبُشْرَى﴾.
الفَائِدةُ الخامِسة: أن الفرحَ بالولَدِ لا يُنافِي كمالَ المرتَبَةِ، فإبراهيم ﵊ من الكُمَّلِ مِنَ الرُّسُلِ، ومع ذلك استبشر بالأولاد وفرح بهم، فلا يقال: الفرحُ بالأولادِ ينَافي الكَمالَ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: إثباتُ أن الملائكةَ أجسامٌ وليسوا أرْواحًا أو عُقولًا كلما ادَّعاهُ بعضهم، كيف نقول: إنهم أرواحٌ ومعانٍ وعُقول، وهم لهم أجنِحَةٌ ويأتون ويَذهَبُونَ ويتكَلَّمونَ، فجِبريلُ ﵇ رآه النَّبِيُّ ﵊ وله سِتُّمِئة جناحٍ قد سَدَّ الأُفُقَ (^١)، لكن هذه الأجسام ليست كأجسام بَنِي آدمَ؛ فإن فيها من الخِفَّةِ والقُوَّةِ ما ليس لبَنِي آدم، واللَّه ﷿ قد يجعْلُهُمْ على صُورةٍ غير الصورةِ الأصلية، مثلُ مَجيء جبريلَ بصورة دِحْيَةَ الكَلْبيِّ (^٢)، وبصورةِ رجل شديدِ بياضِ الثِّياب شَديدِ سوادِ الشَّعَرِ (^٣). . إلخ.
وكذلك الجنَّ قال بعضُ الناس -أعنِّي الذين يُقِرُّون بهم؛ لأن هناك من الناس من أنكرَ الجن، وإنكار الجِنِّ كُفر بلا ريب- قالوا: إنهم أرواحٌ وليسوا أجسامًا،
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٣٩٥) (٣٧٤٨)، وأصله عند البخاري: كتاب التفسير، باب سورة النجم، رقم (٤٥٧٦)؛ ومسلم: كتاب الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى، رقم (١٧٤) عن ابن مسعود، ولفظ مسلم: "أن النبي -ﷺ- رأى جبريل له ستمئة جناح".
(٢) أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٤٣٥)؛ ومسلم: كتاب فضائل الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، باب من فضائل أم سلمة. . .، رقم (٢٤٥١).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان أن الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان. . .، رقم (٨).
[ ١٥٥ ]
وهذا أيضًا خطأ، والصحيحُ المتَعَيَّنُ أنهم أجسامٌ؛ لأنهم يأكلون كما ثبت في الحديث: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا" (^١).
الفَائِدةُ السَّابِعة: أنَّ إبراهيمَ ﵊ أعظمُ منزلِةً مِن لُوطٍ، ولهذا جاءتِ الملائكِةُ إليه وأخْبَرُوه بأنهم مُهْلِكُو أهلِ هذا القريةِ.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: أن الهلاكَ في الأصلِ إذا جاء يَشْمَلُ الصَّالِحَ وغير الصَّالحِ، لقوله: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾، فلولا أنه يَشْملُ الجميعَ ما نَبَّهَهُم على هذا، بل إن اللَّه ذَكَرَ ما يَدُلُّ على ذلك صَرِيحًا، قال تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٣ - ٩٤].
الفَائِدةُ التَّاسِعة: أن الملائكِةَ -عليهم الصلاة والسلام- لما أخْبَرُوا بأنهم سيُهْلِكون هذه القريةَ بيَّنُوا السببَ مِنْ أجلِ أن يطْمَئِنَّ إبراهيم ﵊، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
الفَائِدةُ الْعاشِرَةُ: جوازُ إضافَةِ الحُكم إلى سَببِهِ، لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾؛ لأن الذي يُهْلِكُهم حقيقةً هو اللَّه جَلَّا وَعَلَا كما قال ﷾: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٥]، ولا بُدَّ عند إضافَةِ الشيءِ إلى سبَبِهِ أن يكونَ مَعْلومًا شَرعًا وحِسًّا.
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، رقم (٤٥٠).
[ ١٥٦ ]