الفَائِدةُ الأُولَى: رأفَةُ إبراهيمَ ﵊ وحِلْمُه، لقولِهِ: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ وكأَنَّهُ ﵇ يريدُ ألَّا تَهْلِكَ هذه القريةُ لوجودِ هذا الرَّجُلِ الصَّالحِ، هذا احتمال.
واحتمال آخر: هو أنه أوْرَدَ هذا الإيرادَ ليَنْظُرَ ماذا ستكون عليه حَالُ لُوطٍ.
والاحتمال الثاني أرْجَحُ، والمعنى: ماذا تفعلون بهذا الرجل، ويُؤَيِّدُهُ قوله تعالى: قالُوا ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾.
[ ١٥٩ ]
وأما قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، فإنه يُؤَيِّدُ الاحتمالَ الأوَّلَ، ولا يمْنَعُ أن يكونَ إبراهيم ﵇ قال ذَلِكَ للغَرَضينِ، وعلى كِلا الاحتمالين فَفِيهِ دَليلٌ على رَأْفَتِهِ ﵇، وهذا مَشْهُورٌ عنه حتى قال ﵊: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦].
الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ القولِ والعِلْمِ للملائكَةِ مما يَدُلُّ على أنهم ذَوُو عقولٍ، وذَوُو نُطْقٍ خلافًا لمن قال: إنهم لا عقولَ لهم، وهذا مِنْ أغربِ ما يكون، أن يكونَ هؤلاء الملائكةُ الذين يُسَبِّحونَ الليلَ والنَّهارَ لا يَفْتَرُونَ، والذين وَصَفَهُم اللَّه تعالى بأنهم عبادٌ مُكْرمُونَ؛ أن يكونوا لا عقولَ لهم، فمن له عقلٌ بعد ذلك؟ ! وخلافًا أيضًا لمن قال: إنهم أرواحٌ لَيْسُوا أجسَادًا، وقد تقدم.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: جوازُ إضافَةِ الشيءِ إلى سبَبِهِ، لقولِهِ ﷾: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾، ومعلوم أن الإنجاءَ مِنَ اللَّه، لكن لما كانتِ هؤلاءِ الرُّسُلُ رسلُ اللَّهِ أُضِيفَ إليهم فِعْلُ اللَّه، أي: أن ما قَدَّرَهُ اللَّه ﷾ هو فِعلُهُمْ، وإضافة الشيء إلى سبَبِهِ له أربعةُ وُجوهٍ:
الوجهُ الأَوَّلُ: أن يُضافَ إلى السببِ الحِسِّيِّ أو الشَّرْعِيِّ بدونِ ذِكرِ اللَّه ﷿.
الوجهُ الثَّانِي: أن يُضافَ إلى السَّببِ الحِسِّيِّ أو الشَّرْعِيِّ مع اللَّه بـ (الواو).
الوجه الثالثُ: أن يُضافَ إلى السببِ الحِسيِّ أو الشَّرْعِيِّ معَ اللَّه بـ (ثُم).
الوجهُ الرابع: أن يُضافَ إلى السَببِ الحِسِّي أو الشَّرْعي مع اللَّهِ بـ (الفاء).
فالوجهُ الأول جائزٌ، ومِنَ الأدلة على جوازِه قولُه ﵊ في أبِي طالِبٍ:
[ ١٦٠ ]
"لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ" (^١)، والحقيقةُ أن الذي منَعَهُ أن يكونَ في الدَّركِ الأسفلِ مِنَ النار اللَّهُ ﷾، لكنَّ الرسولَ ﵊ سببٌ، ومن الأَدِلَّةِ أيضًا هذه الآية.
والوجهُ الثَّانِي: إذا أُضِيفَ السببُ الحسِّيُّ أو الشَّرعي مع اللَّهِ بالواو فهذا شِرْكٌ، ودَليلُهُ قولُ الرسولِ -ﷺ- للرجلِ الذي قال له: ما شَاءَ اللَّهُ وشئتَ، قال: "أَجَعَلْتَنِي للَّه نِدًّا، قُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ" (^٢)؛ ولأن التَّعليلَ يقتَضِي أن يجعلَ هذا السببَ مُسَاوِيًا للَّه ﷾، هذا حُكْمُهُ لا يجوز، وقد يكون شِرْكًا أكبرَ أو أصغر بحسْبِ ما قام في قَلْبِ هذا المشْرِكِ، إنما هو شركٌ على كُلِّ حالٍ.
الوجهُ الثالثُ: إذا أُضيفَ السَّببُ معَ اللَّه بـ (ثُم)، فهذا جائزٌ ودَلِيلُهُ حديثُ قُتَيلَةَ وفيه: "فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- إذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: ورَبِّ الكَعْبَةِ، ويَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ" (^٣)، وكذلك حديثُ ابنِ عباس -﵄- وهو مَشْهُورٌ (^٤)، والتعليل أن (ثُم) تَدُلُّ على التَّرييبِ بمُهْلَةٍ.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب قصة أبي طالب، رقم (٣٦٧٠)؛ ومسلم: كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي -ﷺ- لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، رقم (٢٠٩).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى: كتاب عمل اليوم والليلة، باب النهي أن يقال: ما شاء اللَّه وشاء فلان، رقم (١٠٨٢٥) عن ابن عباس بلفظ: أن رجلًا أتى النبي -ﷺ- فكلمه في بعض الأمر، فقال: ما شاء اللَّه وشئت، فقال النبي: "أَجَعَلْتَنِي للَّه عَدْلًا، قُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ".
(٣) أخرجه النسائي: كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بالكعبة، رقم (٣٧٧٣) عن قتيلة بن صيفي بلفظ: أن يهوديًا أتى النبي -ﷺ- فقال: إنكم تنددون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء اللَّه وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي -ﷺ- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة" ويقولون: "ما شاء اللَّه ثم شئت".
(٤) أخرجه ابن ماجه: كتاب الكفارات، باب النهي أن يقال: ما شاء اللَّه وشئت، رقم (٢١١٧) بلفظ: "إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتُ. وَلَكِنْ يَقُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتُ".
[ ١٦١ ]
الوجهُ الرَّابعُ: إذا أُضِيفَ السَّببُ مع اللَّهِ بـ (الفاء) فمن حيثُ إنها للتَّعْقِيبِ تكونُ جائزةً، ومن حيثُ إنها مباشَرَةٌ تكون غيرَ جائزةٍ، والأَوْلى للإنسانِ تَركُها.
الفَائِدتانِ الرَّابعةُ والخامِسَةُ: أن الزوجَةَ داخِلَةٌ في الأهلِ، لقولِ الملائكة: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، ثم استَثْنَوْا مِنْ ذلكَ امرأتَهُ.
لو قالَ قائلٌ: هذا الاستثناءُ مُنْقَطِعٌ فلا دَلالَةَ فِيهِ؛ لأن الاستثناءَ المنْقَطِعَ أن يكونَ المسْتَثْنَى من غيرِ جِنسِ المستَثْنَى منه، فتكونُ امرأتهُ ليست مِن الأهلِ؟
فالجواب: إن الأصلَ في الاستِثْناءِ الاتصالُ؛ لأنه لَولا أنه مِنَ المسْتَثْنَى ما احتِيجَ إلى إخْراجِهِ. وينْبَنِي على هذا الفَائِدةِ أن أزْواجَ النَّبِيِّ -ﷺ- من أهلِ بَيْتِهِ ولا شَكَّ، خِلافًا للرَّافِضَةِ الذين يُخْرجُونَ زوجاتِهِ مِنْ أهلِ بيتِهِ، وفي القرآنِ ما يدُلُّ على ذلك صَرِيحًا، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
الفَائِدةُ السَّادسَةُ: أن الاتصالَ بالصالِحِ لا يستلِزْمُ أن يكون المتَّصِلُ صالحًا وإن كان الاتصالُ بالصالحِ مِن أسبابِ الصَّلاحِ، ولهذا حثَّ النَّبِيُّ ﵊ على الجليسِ الصَّالحِ (^١)، لكنه ليس بلازمٍ، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: كانت مِنَ الهالِكِينَ أو الباقِينَ في الهلاكِ مع أنها امرأةُ رَجلٍ صالحٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع. . .، رقم (١٩٩٥)؛ ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء، رقم (٢٦٢٨) عن أبي موسى الأشعري، ولفظ مسلم: "إِنَّمَا مَثَلُ الجلِيسِ الصَّالِح وَالجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ المسْكِ وَنَافِخِ الْكِير فَحَامِلُ المسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِير إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً".
[ ١٦٢ ]
نَبِيٍّ مِنَ الأنبياءِ، فلا تُدِلُّ الزوجة على رَبِّها بصلاحِ زَوجِهَا، وهذه المسألة جاءتْ في سُورةِ التَّحريمِ لأجلِ ألَّا تُدِلَّ زوجات الرسول ﵊ عَلَى اللَّه بكونِهِنَّ زوجات للنَّبِيِّ -ﷺ-.
لو قال قائل: وردَ حديثٌ أنَّ النَّبِيَّ ﵊ جمع فاطِمَة وعَليًّا والحسنَ والحسين وقال: "اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي؛ فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا"، قالت أم سلمة: وأنا مَعَهُمْ يا نبي اللَّه؟ قال: "أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ، وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ" (^١).
فالجواب: نَنْظُر في صحَّةِ الحديثِ لأنَّ الآياتِ صريحةُ المعْنى، وإن ثَبتَ يكون أهلُ بَيتِهِ هم قَرابتُهُ -ﷺ-.
الفَائِدةُ السَّابِعة: جوازُ القَسمِ بدونِ استِقْسَامٍ، لقولِه تعالى: ﴿لَنُنَجِّيَنَهُ﴾.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: اعتِبارُ القَسَمِ المقُدَّرِ، بمعنى أنه لا يُشتَرَطُ في القَسمِ أن تَنطِقَ به.
فلو قالَ قائل: لأفْعَلَّنَ كذا، يكون مُقْسمًا؛ لأن هذه الجملةَ تكونُ جَوابًا لقَسمٍ مُقَدَّرٍ، ولو قال: لئن أتانِي اللَّهُ مِنْ فَضلِهِ لأَتَصَدَّقَنَّ يكون نذرًا، قال اللَّه ﷾: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٦]، فجَعَلَ هذا نَذْرًا؛ لأن النَّذْرَ ليس له صِيغةٌ مُعَيَّنَة بل كُلُّ ما دَلَّ على الالتزامِ فهو نَذْرٌ بأَيِّ صِيغَةٍ، وقد يكون نَذْرًا مَقْرونًا بالقَسَمِ فيفيد التَّوكِيدَ.
لو قال قائل: هل وُجودُ الصَّالحينَ سببًا لدَفْعِ العَذابِ؟
_________________
(١) أخرجه الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب سورة الأحزاب، رقم (٣٢٠٥) عن عمر بن أبي سلمة، والطبراني في الكبير (٣/ ٥٣) (٢٦٦٦) عن أم سلمة.
[ ١٦٣ ]
فالجواب: وجودُ الصالحينَ قد يكونُ سببًا لدفعِ العَذابِ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
* * *
[ ١٦٤ ]