الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ العُلُوِّ للَّهِ ﷿ لقولِهِ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: شِدَّةُ العذابِ إذا كانَ آتِيًا من فَوقَ، لقولِهِ: ﴿مُنْزِلُونَ﴾؛ لأن كونَ العَذابِ يأتِي مِنْ أعْلى فهُو أشَدُّ وأبْلَغُ؛ لأن العذابَ في هذه الحالِ يكونُ عالِيًا ومُحِيطًا.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: إثباتُ الأسبابِ؛ لقولِهِ ﷾: ﴿بِمَا كاَنُوا يَفسُقُونَ﴾، فإن الباء للسَّبَبِيَّةِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: أن الفِسْقَ سببٌ للعُقوباتِ، ولهذا جَعَلَ اللَّه المعَاصِي مِنَ الفسادِ في الأرضِ؛ لقولِهِ: ﴿بِمَا كاَنُوا يَفسُقُونَ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: الردُّ على الأشْاعِرَةِ والجَهمِيَّةِ والجَبرَّيةِ، والجبريةُ هم الجهْمِيَّةُ؛
_________________
(١) أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ قال: لما أصبحوا عدا جبريل على قريتهم فقلعها من أركانها ثم أدخل جناحه، ثم حملها على خوافي جناحه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبها، فكان أول ما سقط منها سرادقها، فلم يصب قومًا ما أصابهم، ثم إن اللَّه طمس على أعينهم، ثم قلبت قريتهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل. انظر: فتح القدير (٢/ ٧٤٥)، وتفسير الطبري (٧/ ٩١)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٥٩٧).
[ ١٧٤ ]
والجهْمِيَّةُ عندهم ثلاثةُ جِيماتٌ، أعاذَنا اللَّهُ من هذه الجيماتِ، والاستِعاذَةُ ليس من كل جِيمٍ لأننا نتعوذُ باللَّهِ مِنَ الشيطانِ الرَّجيم، وهذه الجيمات هي: جيم جَبْرٍ وإرجاءٍ وتَجَهُّمٍ، يقولُ ابن القيم ﵀ (^١):
جَبرٌ وإِرْجَاءٌ وَجِيمُ تَجَهُّمٍ . . . . . . . . . . . . . . .
فهؤلاء الطوائفُ يقولونَ: لا تُوجدُ أسبابٌ مؤَثِّرَةٌ، حتى إنك إذا رَمَيْتَ بالحجَرِ على الزجاجة فانكْسَرَتْ قالوا: لم يَكْسِرْها الحجَرُ، بل انكْسَرَتْ عنده لا به، وعندما تَضَعُ ورَقَةً في النَّارِ وتحترق يقولون: النارُ لم تَحْرِقْهَا.
ونقول لهم: لو أَتَيْنَا بالحجَرِ ووَضَعْنَاه عندَ الزُّجاجةِ هل تنْكَسِرُ؟ فكلامهُمْ لا يُعْقَلُ، وتصورُهُ كافٍ في رَدِّهِ؛ لكن هم يُرِيدُون أن يتَوَصَّلُوا إلى شيءٍ من وراءِ ذلك وهو: أن الإنسانَ مُجْبرٌ على العمل، فإذا عذَّبَهُ اللَّه تعالى وهو عاصٍ فإن تَعْذِيبَهُ إياه ليس بحُجَّةٍ؛ لأن اللَّه ﷾ قد يُعَذِّبُ بدونِ سببٍ، والأسبابُ عندهم غيرُ فاعلةٍ، ونحن نوافِقُهُم أنها غيرُ فاعلة بنفسها، بدليلِ أن النَّارَ المُحْرِقَةَ صارتْ على إبراهيم برْدًا وسلامًا، لكن نقول: هي فاعِلَةٌ بتَقْدِيرِ اللَّه ﷿ الذي جَعلها تَحْرِقُ فأحرَقَتْ.
* * *
_________________
(١) القصيدة النونية (ص: ١٦٦).
[ ١٧٥ ]