الفَائِدةُ الأُولَى: ينْبَغِي الاعتبارُ بأحوالِ مَنْ مَضَى، لقولِهِ: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: فاعْتَبِرُوا واتَّعِظُوا.
الفَائِدةُ الثَّانِية: بيانُ قُدْرَةِ اللَّهِ ﷾؛ لأن عَادًا مِنْ أقْوى عِبادِ اللَّهِ حتَّى إنهم قَالُوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، ومع ذلك أهْلَكَهُم اللَّهُ بالرِّيحِ التي هي مِنْ ألطفِ الأشياءِ، فدَلَّ هذا على كَمالِ قُدرة اللَّهِ ﷾، وأنهم مَهْمَا بلَغَ الناسُ مِنَ القُوَّةِ فليست قوَّتُهُم بشيءٍ بالنِّسْبَةِ إلى قوَّةِ اللَّهِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: أن الشيطان قد يُسَلَّطُ على بَنِي آدَمَ، لقولِه ﷿: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: التَّحْذِيرُ من تَزْيْين الأعمالِ، ويُفْهَمُ من قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أن هذِه الأعمالَ أصلُهَا قَبيحٌ لكنَّها زُّينَتْ، فيَجِبُ الحذَرُ من تَزْيِينِ الشيطانِ.
لو قال قائل: ما هو الضابطُ في تَزْيِينِ الشَّيطانِ، قد أهْوى هذا العملَ ويُزَيَّنُ في نَفْسي فأفعلُه ولا أدْري هل هو من تَزْيين الشيطانِ أو من هِدايةِ اللَّه ﷿؟
[ ١٩٣ ]
فالضابِطُ: إذا كانَ العملُ على خِلافِ شريعَةِ اللَّهِ فهو من تَزْيِينِ الشيطانِ، وإن كانَ مُوافِقًا لشريعة اللَّه ﷿ فهو من هِدَايَةِ اللَّه وليس من تَزْيِينِ الشيطان.
الفَائِدةُ الخامِسة: الردُّ على الجبْرِيَّةِ في نسبةِ الأعمالِ إلى الخلْقِ، فإذا نُسِب العملَ إليهم فمعنى ذلك أنَّهُم فاعلُون حقِيقَة.
الفَائِدةُ السَّادسَة: أن الأعمالَ السَّيِّئة قد تكون سببًا لضلالِ العَبدِ؛ لقوله ﷿: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾، ولا ريب في ذلك، قال ﷾: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، فالأعمالُ السيئةُ يَجُرُّ بَعْضُها بعضًا حتى يَعْمَى الإنسان -والعياذ باللَّه- عن الحقِّ بسببِ مَعْصِيَتِهِ.
الفَائِدةُ السَّابِعةُ: بشاعَةُ الصَدِّ عن سبيلِ اللَّه مع البَصِيرَةِ لقولِهِ ﷿: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرينَ﴾، فإن الجملةَ هنا حالِّيَةٌ على تقديرِ (قَدْ)، يعني: فصَدُّوهُمْ وقد كانوا مستَبْصِرينَ، والمسْتَبْصِرُ كان بصددِ أن لا يُصَدَّ لكن قوةَ السبب وضعفَ المانع هو الذي أوجب لهم ذلك -والعياذ باللَّه-.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: أن المخاطب قد يحالُ على ما يَفْهَمُه ذِهْنُه مِن دَلالَة الخطاب لقوله: ﴿الْسَّبِيِلِ﴾.
فلو قال قائل: في الآيةِ إبهامٌ في قولِهِ: ﴿الْسَّبِيِلِ﴾ لا نَدْرِي أيَّ سبيلٍ؟
قلنا: لا إبهامَ ما دامَ هناكَ شيءٌ معْهُودٌ للمُخاطَبِ؛ لأن (ال) في ﴿الْسَّبِيِلِ﴾ للعَهْدِ الذِّهْنِيِّ.
* * *
[ ١٩٤ ]