الفَائِدةُ الأُولَى: تمامُ قُدرَةِ اللَّه ﷾ بإرسالِ هذه العُقوباتِ؛ لأنها كلَّهَا عقوباتٌ تدُلُّ على كمالِ القُدْرَةِ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: إبطالُ قولِ الملْحِدِينَ في الوقت الحاضر: إن هذه الآيات من الكَوارِثِ، فتَأْتِي الزلازِلُ التي هي الرَّجْفَةُ ويقولون: هذه مسألةٌ طبيعِيَّةٌ، وتأتي الفيضاناتُ العظيمةُ التي تُدَمِّرُ وكذلك الرياحُ الشَّديدةُ، ويقولون: هذه كوارثُ طبيعية، لا يعْتَبِرون ولا يَرَون أنها نوعٌ مِنَ العُقوباتِ التي جَرتْ على الأُمَمِ السابِقَةِ، وهذا من موتِ القَلبِ -والعياذ باللَّه-، فيُعْرِضُ الإنسان عن التأَمُّلِ والتَّدَبُّرِ في هذه الآيات ويُضِيفُها إلى أمورٍ طَبيعِيَّةٍ، وكأن الطبيعةَ هي التي تَخْلُق وتفْعل دونَ اللَّه ﷿.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: حِكمة اللَّه ﷿؛ لقوله: ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، سواء قُلْنَا: إن الباءَ للسَّبَبِيَّةِ أو المقابَلَةِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: إثباتُ الأسبابِ، وكلُّ ما جاءَ في القُرآنِ مِن (لام) للتَّعليلِ أو (باء) للسَّببية فإنها تدُلُّ على إثباتِ الأسبابِ والحِكَم.
الفَائِدةُ الخامِسة: الرَدُّ على الجَبْريَّةِ ومن وافَقَهُم مِنَ الأشْعرية الذين يُنْكِرُونَ
[ ٢٠٤ ]
الأسبابَ، وأما نحنُ أهلَ السُّنَّةِ والجماعة فنؤمنُ بالأسبابِ؛ لكنَّنا لا نقول: إن هذه أسبابٌ مؤثرةٌ بنَفْسِهَا، لكن بخَلقِ اللَّه ﷾ فيها التأثيرُ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: أن الجزاءَ من جِنْسِ العملِ، وهذا على الاحتمالين فِي الباء: البَدَلِيَّةِ أو المقابلَةِ لقولِهِ: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، ومِنَ المعلومِ أن الجزاءَ من جِنسِ العَملِ في الجزاءاتِ الشَّرعِيَّةِ وفي الجزاءاتِ الكونيَّة، الجزاءات الشرعِيَّةُ مثلُ الحُدود، فالعقوباتُ المقدَّرةُ من قِبَل الشرْع كلُّها في الواقِعِ عقوباتٌ موافِقَةٌ للحِكمة، فقَطع اليدِ بالسَّرقةِ لا شكَّ أنه موافق للحِكْمَةِ؛ لأن اليدَ بها الأخذ والإعطاءُ، وقطعُ الأيْدي والأرْجلِ من خِلافٍ في عقوبَةِ قطَّاعِ الطريقِ موافِقةٌ للحِكمةِ؛ لأن قطَّاعَ الطريق يعْتَدونَ على الناس بأيْدِيهِمْ وأرجُلهِمْ، ورَجْمُ الزانِي بالحجارةِ دُونَ قتلِهِ بالسيفِ موافِقٌ للحِكْمَةِ، وهكذا كلُّ العُقوباتِ الشَّرعيةِ والكونيةِ فإنها موافقةٌ للحِكْمَةِ، ويَدُلَّ على هذا قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾.
الفَائِدةُ السَّابِعةُ: أن العُقوباتِ لا تأتي مِن نوعٍ واحد، بل تأتِي مِنْ أنواعٍ مُتَعَدِّدةٍ بحسبِ حالِ المعَاقَبِ لقولِهِ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ هذه الأنواعُ الأربعَةُ ذِكْرهُا له حِكمَةٌ؛ لأن قولَهُ ﷿: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ هذا إهلاكٌ من فَوْق، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ هذا إهلاكٌ من تحْت، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ هذا إهلاكٌ بالقولِ والصَّوتِ، وقوله ﷿: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ هذا إهلاكٌ بالماءِ.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: كمال عَدْلِه ﷾؛ لقولِهِ ﷾: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، وهذه الصَّفةُ من الصفاتِ السَّلبِيَّةِ، والصفاتُ السلبيَّةُ لا تكون مدْحًا
[ ٢٠٥ ]
إلا إذا تَضَمَّنَتْ ثُبوتًا، فمُجَرَّدُ النفي ليس بمدحٍ إلا إذا تضَمَّنَ ثُبوتًا، إذا نَفَى اللَّه الظُلْمَ عن نفسه فليس معناه أنه لا يَظْلِمُ فقط، بل لكَمالِ عَدْلِهِ لا يظْلِمُ، وليس المعنى أنه غيرُ قادِرٍ على الظلمِ بل هو قادِرٌ ﷾ على أن يظْلِمَ لكنَّه لكمالِ عَدْلِه لا يظلم، ولو كان غيرَ قادِرٍ على الظلم لم يكن نَفْي الظلمِ عن نفْسِهِ مَدْحًا.
والجَبْرِيَّةُ يقولون: إن الظلمَ مُحالٌ على اللَّه لذَاتِهِ لا لعَدَمِ إرادةِ اللَّهِ، وذلك أنهم يقولون: إن الظلْمَ أن يتَصَرَّفَ الإنسان في مِلْكِ غيرِهِ، واللَّه تعالى إذا تَصَرَّفَ في مُلكه فليسَ بظالمٍ على زَعمِهِمْ، وليس بظالمٍ أن يُعاقِب المطِيعَ الذي أمضى ليلَهُ ونَهارَه في طاعَةِ اللَّه فيُعاقِبُه عقوبَةِ الكافِرِ، وعلى هذا قال السفارِيني ﵀ (^١):
وَجَازَ للْمَوْلَى يُعَذِّبُ الْوَرَى مِنْ غَيْرِ مَا ظُلْمٍ وَلَا ذَنْبٍ جَرَى
فَكُلُّ مَا مِنْهُ تَعَالَى يَجْمُلُ لِأَنَّه عَنْ فِعْلِهِ لَا يُسْألُ
وهذا ليس بصحيحٍ، وهو إن جازَ عَقْلًا لكنَّهُ ممتَنِعٌ شَرْعًا، وقد تقدَّمَ تفصيلُ ذلك في أوَّلِ السورةِ.
المهم أن مُجَرَّدَ النَّفي لا يَدُلُّ على الكمالِ حتى يتَضَمَّن مَدْحًا، ولهذا قالوا في قول الشَّاعِرِ (^٢):
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
هذا ذَمٌّ وليس بمَدحٍ، فهم لعَجْزِهِمْ لا يظْلِمُونَ.
_________________
(١) البيتان (٦٥، ٦٦) من العقيدة السفارينية.
(٢) البيت للنجاشي أحد بني الحارث بن كعب، انظر الحماسة الشجرية (٤٥٢)، والشعر والشعراء لابن قتيبة (٣٣٠ - ٣٣١).
[ ٢٠٦ ]
وكذلك قول الشاعر (^١):
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كانُوا ذَوِي حَسَبٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ-فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا
يقول: ما هم مِنَ الشَّرِّ في شيءٍ ولا يأتونَ شرًّا أبدًا، بل أبلَغُ من هذا أنهم:
يُجْزُونَ بِالظُّلْمِ أَهْلَ الظُّلْمٍ مَغْفِرَةً وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانًا
فإذا ظَلَمهُم أحدٌ قابَلُوه بالمغفرَةِ والسَّماحِ، وكذلك إذا أساءَ إليهم أحسْنُوا، هذا ظاهِرُهُ أنه مَدحٌ لكنه في الحقيقة ذَمٌّ من أبْلَغِ الذَّمِّ؛ لأنه يحتَقِرُهُم ويقول: إنهم لا يستطيعون أن ينْتَصِرُوا لأنفسهم، بل إذَا أسِيءَ إليهم قابلوا ذلك بالإحسانِ خَوفًا من إساءَةٍ أعْظَمَ وإذا ظُلِموا غَفَروا، ولهذا قال نفس الشاعر:
فَلَيْتَ لِي بِهِمْ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا شَنُّوا الإِغَارَةَ فُرْسَانً وَرُكْبَانًا
ونَفْي الصِّفاتِ من حيثُ العُمومِ قد يتَضَمَّنُ الكمالَ وقد يتَضَمَّنُ النقْصَ، وقد يكونَ لعدمِ القابِلِيَّةِ، فالذي للَّه من هذه الثلاثة الكمالُ، مثاله قوله ﷾: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وقد يكون النَّفْي لعدمِ القابِلِيَّةِ، تقول: هذا الجدار لا يتَعْبُ، وهذا الجدار لا يظلِمُ؛ لعدم القابِلِيَّةِ، فهذا ليس بمدحٍ لأنه أصلًا لا يقبل هذا الوصف حتى يُنفى عنه.
وقد يكونُ النَّفْي للعَجْزِ مثاله ما سبَقَ في البَيْتَيْن.
ولا يكون للَّهِ من هذه الأقسامِ الثلاثة إلا القِسْمُ الأولُ، وهو ما تَضَمَّنَ كمَالًا
_________________
(١) قال في خزانة الآدب (٧/ ٤٤١): إن البيت لقريط بن أنيف العنبري.
[ ٢٠٧ ]
ومَدْحًا، ولهذا يقولُ أهلُ العِلْمِ: إن اللَّه إذا نفى صِفة عن نفْسِه فإن المراد به أمران: نَفْي تلكَ الصِّفةِ، والثاني إثباتُ كمالِ ضِدِّهَا.
وصفاتُ اللَّه ﷾ تنقَسِمُ إلى قِسْمينَ: ثُبوتِيَّةٌ وسَلْبِيَّةٌ.
فالثُّبوتِيَّةُ: ما أثبْتَه اللَّهُ لنفْسه ولا تكونُ إلا صِفَةَ كمالٍ.
والسَّلبِيَّةُ: ما نَفَاهُ عن نفْسِه ولا تكون إلا صِفَةَ نَقْصٍ، وهي تدورُ على شيئين: أحدهما النَّقْصُ، والثاني مشابهةُ المخلُوقِينَ، أو نقول: إن مشابهة المخلوقينَ نقْصٌ، ونحصرُ هذين الشيئينِ في شيءٍ واحدٍ.
الفَائِدةُ التَّاسِعة: أن الإنسانَ هو الظالمُ لنَفْسهِ بفعْلِ المعَاصي؛ لقوله ﷾: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ففعلُ المعَاصِي حَرامٌ؛ لأنه ظُلْمٌ لنفْسِكَ، أما اللَّه تعالى فلا يَظْلِمُ أحَدًا.
الفَائِدةُ الْعاشِرَة: أن العاصِي ظالمٌ لنفْسه لقوله ﷾: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ووجه ذلك: أن النفْس عندَك أمانَةٌ، فكما أنك ممنوعٌ مِنْ نَقْصها نقْصًا حِسِّيًا فأنت ممنوعٌ من نَقْصِها نَقْصًا مَعنَويًا، بمعنى أن الإنسان لو أرادَ أن يقْطَعَ يدَهُ أو أصابعه أو يُسِيء إلى بدَنِهِ كان ذلك محُرمًا، ولهذا من قَتلَ نفسه بشيء عُذِّب به في جهنَّمَ خالدًا مخَلَّدًا، فجعل النبيُّ ﵊ قاتِلَ نفسِهِ (^١) كقاتل الغيرِ في التَّخليدِ في النَّار والتَّعذِيبِ بما قتَل به نفْسَه، وعلى هذا نقول: كل من عَصَى اللَّه فإنه ظالمٌ لنْفِسِه، ومن هنا يتَبَيَّن لنا معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، رقم (١٢٩٧) عن ثابت بن الضحاك؛ ومسلم: كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، رقم (١٠٩).
[ ٢٠٨ ]
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وأن العُدولَ عن مِلَّةِ إبراهيمَ سفَهٌ لأنه ظُلمٌ للنَّفس من حيثِ لا يشعرُ الإنسان.
* * *
[ ٢٠٩ ]