الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ العِلْمِ للَّهِ ﷾ فيما يتعَلَّقُ بالخلقِ؛ لأن اللَّه جَلَّ وَعَلَا ما حكم على هؤلاء المشركين بمشابهتهم للعَنكبوتِ إلا عن عِلْمٍ بأن هذه الأصنامَ لا تنفعُ ولا فائدةَ منها، فالآية كالتَّعْلِيلِ لما قَبلَها.
[ ٢١٩ ]
الفَائِدةُ الثَّانِية: وهي مبنية على الأُولى، الردُّ على غُلاةِ القَدرِّيَةِ الذين قالوا: إن اللَّه لا يعلمَ الأشياء المتعلِّقَةَ بالخلْقِ إلا بعدَ وُقوعِها -نعوذ باللَّه- لكن شيخ الإسلام ﵀ يقول (^١): إنهم قَلِيلٌ، وذلك في وَقْتِهِ؛ لأنهم رأوا أن إنْكارَهُم العلْمَ نداءٌ على أنْفُسهِمْ بالكُفر فأثْبَتُوا العِلمَ للَّه وأنكَرُوا الكتابةَ والمشِيئةَ.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: إثباتُ اسمينِ مِنْ أسماءِ اللَّهِ ﷿ وهما: العَزيزُ والحكيمُ، وإثباتُ ما تَضَمَنَّاهُ من صفةٍ وهي: العِزَّةُ والحِكمةُ، وكذلك إثبات ما تَضَمَنَّاه من صفةٍ بدَلالة الالتزامِ.
فنُثْبِتُ ما يستْلزِمُه هذان الاسمانِ منَ الصِّفاتِ؛ لأنَّ دَلالَةَ اللفظِ على معناه تكون بدلالةِ المطابَقَةِ والتَّضَمُّنِ والالتزامِ، وقد تقدم الكلام على ذلك، ونضربُ لذلك مثلًا:
كلمة (دَارَ) أي: المسكُونَةُ، تدلُّ على هذه الكُتلةِ من البناء المتضمنة للغُرَفِ والحُجَر والسُّطوحِ؛ تدل على ذلك بالمطابَقَةِ، وتدل على كُلَّ حجرةٍ بمُفْردِهَا أو غرفةٍ بمفردها أو سطح بمُفرده؛ تدل على ذلك بالتَّضَمُّنِ، يعني: أنها متَضمَّنة لغُرفٍ وحُجَرٍ. . . إلخ، وتدل على أن لها بانِيًا بِدِلالَةِ الالتزامِ.
فالعزيزُ يدُلُّ على العزَّةِ دلالةَ مطابَقةٍ، ومن لازم العزة أن يكون العَزِيزُ عالمًا قادِرًا قَوِيًّا، ودلالةُ العزيزِ على الذات والصِّفَةِ دلالةُ مطابَقَةٍ، وعلى الذات والصفة وحدها دلالة تَضَمُّنٍ.
ولهذا فالحيُّ القيومُ اسمان تضَمَنا جميعَ الصفات؛ لأن الحيَّ مستلزمٌ لجميعِ صفاتِ الكمالِ، والقيُّومُ مستلزمٌ لجميعِ صفاتِ السلطانِ والمُلك والتَّدْبِيرِ وما أشبه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٩).
[ ٢٢٠ ]
ذلك من الصفات، ولهذا ورد في الحديث أنهما اسمُ اللَّه الأعْظَمُ (^١).
وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيه إثباتُ الحُكْمِ والحِكْمَةِ، وفي الجمع بين اسمي العَزيزِ والحكيم تظْهر صفةٌ ثالثةٌ، وهي أن عِزَّةَ اللَّهِ مقرونَةٌ بالحِكمةِ ليست كعِزَّةِ غيرهِ من المخلوقين؛ لأن عِزَّةَ المخلوقِ قد تكونُ خالية مِنَ الحِكْمةِ، وقد تقدم ذلك في التفسير.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: ينبغي التأَمُّلُ إذا خُتِمتِ الآيات بما يكون مخالفًا لظاهِرِ الحالِ أو السياقِ كهذه الآية، فقد يتبَادَرُ إلى الذِّهْنِ أن تُختَمَ بالعِلم، ولكن عند التأَمُّلِ يكون ختْمُهَا بالعزَّةِ والحكمةِ أوْلى، ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، فظاهرُ السياقِ يَدُلُّ على أن تُخْتَمَ الآيةُ بالغفورِ الرَّحِيمِ؛ لكن عدَل عنه لغايَة بلاغِيَّةٍ، فتأَمَّل وتوقَّفَ فإن الخَللَ منك، وكلامُ اللَّه ﷿ لا خَللَ فِيهِ.
* * *
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء، رقم (١٤٩٦)، ولفظه: اسم اللَّه الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفاتحة سورة آل عمران ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾؛ والترمذي: كتاب الدعوات، باب جامع الدعوات عن النبي -ﷺ-، رقم (٣٤٧٨)؛ وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب اسم اللَّه الأعظم، رقم (٣٨٥٥)؛ وأحمد (٦/ ٤٦١) (٢٧٦٥٢).
[ ٢٢١ ]