الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ أن خالقَ السمواتِ والأرضِ هو اللَّه ﷿: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
لو قالَ قائلٌ: الآيات ليس فيها حَصْرٌ حتى تَقُولوا: إن الخالِقَ هو اللَّهُ ﷿؟
فالجواب: نعم، ليسَ في الآياتِ حَصْرٌ بالطُّرقِ المعْرُوفَةِ، لكن في الآيات حَصْرٌ من حيثُ إنه لا يُوجَدُ إلا سموات واحدة وأرضٌ واحِدَةٌ، وإذا كانَ الخالقُ لهما هُو اللَّه ﷿ انتَفَى أن يكونَ غَيرُهُ خالِقًا لهُما.
الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: الردُّ على أهلِ الطَّبيعَةِ الذين يقولون: إن السمواتِ والأرضَ ليس لها خالقٌ، بل هي أشياء تَتَفاعَلُ وتتحولُ وتتقَلَّبُ، وأن الخلقَ لا أَوَّل له ولا نِهايَةَ.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: إثباتُ حُدوثِ السَّموات والأرضِ وأنها ليستْ قَدِيمَةً، لقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فهي مُوجَدَةٌ من العدمِ، وكُلُّ ما سِوَى اللَّه ﷿
_________________
(١) البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٢٤١)، (٤/ ١٨٦)، والتقرير والتحبير (٢/ ٣٠٧).
[ ٢٣٠ ]
فهو موجودٌ بَعد العَدَمِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: إثباتُ أن السمواتِ سبعٌ، نأخذ هذه الفَائِدةَ مِنْ آيات أُخْرَى كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: إثباتُ أن الأَرَضِينَ سبْعٌ مع أن عَدَدهَا لم يأتِ في القرآنِ لكِنْ أُشِيرَ إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فالمماثَلَةُ في الوصْفِ هنا متَعَذِّرَةٌ، وإذا تَعَذَّرَتِ المماثَلَةُ في الوصْفِ رجَعْنَا إلى المماثلَةِ في العددِ، وقد جاءتِ السُّنَّةُ صَريحَةٌ في ذلك، قالَ -ﷺ-: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ سَبْعِ أرَضِينَ" (^١).
الفَائِدةُ السَّادسَة: اطمئنانُ المؤمن بما يحْدِثُه اللَّهُ في السمواتِ والأرضِ، وجه ذلك: قوله ﷾: ﴿بِالْحَقِّ﴾ فإذا عَرَف المؤمِنُ أن ما حدثَ مِنْ جُوعٍ ومَرَضٍ وزَلازِلَ وفيضانات أنه بالحَقِّ اطمأنَّ ورَضِيَ وسَلِمَ، ولا راحة في الحقيقة للإنسانِ إلَّا بهذا، أي: بالإيمانِ بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه وأنه حَقٌّ، وإلا فإنه سيتكَدَّرُ؛ لأنه ما مِنْ ساعةٍ تَمُرُّ إلا وسيَجِدُ الإنسانَ فيها ما يَسُوؤه إما في نفْسِهِ أو أهلِهِ أو صحبه أو بلده، أو البلاد الإسلامية عامة.
لو قالَ قائلٌ: ما معنى قولِ البعضِ: (منَازَعَةُ الأقْدَارِ بالشَّرْعِ واجِبَةٌ)، وهل هي صحيحة أم لا.
الجواب: المرادُ بالمنَازَعَة هنا المقابَلَةُ، فإذا جاءَنَا مِنَ القَدَرِ ما يَسُوؤنَا، فإننا نُنازِعُه بالصَّبْرِ، فإذا صَبَرْنَا ما ساءَنَا، أي: أن نُقابِلَ القَدَرَ بما يقْتَضِيهِ الشَّرْعُ، لكن
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أرضين، رقم (٣٠٢٦)؛ ومسلم -واللفظ له-: كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، رقم (١٦١٠).
[ ٢٣١ ]
منازَعَةَ القَدَرِ بالقَدَرِ لا تجوزُ، والأَوْلَى البُعْدُ عن مثلِ هذه الألْفاظِ؛ لأنها كلماتٌ صُوفِيَّةٌ وتحتاجُ إلى بحث، ثم بعضُ الناس قد ينْفِرُ مِنْ كَلمةِ منَازعة.
الفَائِدةُ السَّابِعة: أن خَلْقَ السمواتِ والأرضِ آية دَالَّةٌ على ما يقْتَضِيهِ هذا المخلُوقُ من صِفاتِ اللَّه ﷾، وقد تقَدَّمَ أن منه ما يَقْتَضِي الدَّلالَةَ على قُدرَةِ اللَّهِ، والدَّلالة على حِكْمَةِ اللَّه، والدَّلالةَ على عِزَّتِهِ حسبَ ما تقْتَضِيهِ الآيةُ.
الفائدتان الثامنة والتَّاسِعة: أنه لا ينْتَفِعُ بالآياتِ إلا المؤمنونَ، لقولِهِ ﷿: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ويتَفَرَّعُ على هذه الفَائِدةِ أنه كُلَّمَا كَمُلَ إيمانُ العبدِ ازداد انتفاعًا بالآياتِ.
وجه هذه الفَائِدةِ: ما سبقَ ذِكْرُهُ من أن الحُكْمَ إذا عُلِّقَ بوصفٍ ازْدَادَ قُوَّةً بقوَّتِهِ وضَعْفًا بضَعْفِهِ، فكلَّما كان الإنسانُ أقْوَى إيمانًا ظَهَر له مِنْ آياتِ اللَّهِ في هذه المخلوقاتِ ما لم يَظْهَرْ لمن هو دُونَهُ.
* * *
[ ٢٣٢ ]