الفَائِدةُ الأُولَى: أن القُرآنَ كلامُ اللَّهِ ﷿، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ عُلُوِّ اللَّه ﷿، لقَولِهِ: ﴿أَنْزَلْنَا﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: إثباتُ رِسالَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، وهذا يعْنِي أنه مُوحَى إِلَيْهِ بالقُرآنِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: الإشارةُ إلى شرفِ هذا القُرآنِ حيثُ إنه مَكتوبٌ في اللَّوحِ المحْفوظِ وفي الصُّحُفِ التي في أَيْدِي الملائكة.
الفَائِدةُ الخامِسةُ: أن المشركينَ قد قامَتْ عليهم الحُجَّةُ، لقوله ﷾:
[ ٢٩٥ ]
﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾، فالقرآنُ ليس غَائبًا عنهم حتى يَعْتَرِضُوا، ولكنه يُتْلَى عَليهِمْ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: أن مجرَّدَ تلاوةِ القُرآنِ على شخصٍ يكونُ مُلْزِمًا له بالاتِّباعِ؛ لأن اللَّه لم يَذْكُرْ أكثَرَ مِنَ التِّلاوةِ، فإذا تَلَي القرآنَ على إنسانٍ فقد قامتِ عليه الحُجَّةُ، ولهذا الجِنُّ ولَّوْا إلى قومِهِمْ مُنْذِرِينَ بمُجَرَّدِ سماعهِمْ القرآنُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١ - ٢]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠].
فقِراءَةُ القرآنِ مُلْزِمَةٌ، لكن إذا كان لا يَفْهَمُ لغة القُرآنِ فلا تكونُ مُلْزمة، لقوله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، ولا يحْصُلُ البيانُ وهو لا يَدْرِي لُغَةَ القُرآنِ.
الفَائِدةُ السَّابِعَةُ: ما يتَضَمَّنَهُ إنزالُ القرآنِ من الحُرمَةِ والذِّكْرى، وهو الاتِّعَاظُ والتذكُّر، لقولِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى﴾.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: أنه لا ينْتَفِعُ بهذه الرَّحمةِ والذِّكْرى إلا المؤمنونَ، لقوله ﷿: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
الفَائِدةُ التَّاسِعَةُ: كُلَّمَا كانَ الإنسانُ أقْوَى إيمانًا كان أكْثَرَ انتِفَاعًا بالقُرآنِ، وكلما كان أضعفَ إيمانًا أو أكثرَ مَعْصِيَةً كان أبعدَ عن فَهْمِ القُرآنِ والانتفاعِ به، بل إن المعَاصِيَ تحولُ بينَ الإنسانِ وبين فَهْمِ القرآنِ.
وقد استَنْبَطَ بعضُ العلماءِ من قوله ﷾: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ
[ ٢٩٦ ]
إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥ - ١٠٦]، استنْبَطَ أن الاستغْفَارَ سببٌ لبيانِ الحقِّ عندَ الحُكْمِ، سواء كان هذا الحُكْم فُتْيَا أو قَضَاء؛ لأن ذِكْرَ الاستغفارِ يدُلُّ على أن له أثرًا في المسْتَقْبَلِ؛ لأن هذا ليس آخِرَ حُكْمٍ للرَّسُولِ ﵊، فالإنسانُ إذا استَغْفَرَ اللَّه كانَ ذلكَ مَفْتَاحًا للفَهْمِ والعلمِ؛ لأن الذنوب حائلٌ بينَ الإنسان وبينَ التَّوفِيقِ، كما قال ﷾: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، ولهذا لما رانَ على قُلوبِهِمْ ما كَسَبُوا صَارُوا يقولُونَ عَلى القُرآنِ أنه أساطِيرُ الأَوَّلِينَ ولم ينتفِعُوا به.
الفَائِدةُ الْعاشِرَةُ: فضيلةُ الإيمانِ حيثُ تَتِمُّ به الرَّحْمَةُ والذِّكْرَى، لقوله ﷿: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
الفَائِدةُ الحَادِيةَ عشْرَةَ: إثباتُ الرَّحمةِ للَّه ﷾ لقولِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾، فهو أنْزَلَهُ ليَرْحَمَ به الخلْقَ.
* * *
[ ٢٩٧ ]