الفَائِدةُ الأُولَى: أنَّ المؤمِنَ عبدُ اللَّهِ، والمرادُ هنا العُبُودِيَّةُ الخاصَّةُ، لقوله ﷿: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: شَرَفُ الإيمانِ باللَّه ﷿ حيثُ جَعَلَ اللَّه تعالى هؤلاء المؤمنين
[ ٣٣١ ]
عِبَادًا، وإضَافَتُهم إلى اللَّه بالعُبودِيَّةِ تشريفٌ لهم بلا شَكٍّ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: وجوبُ الهجْرَةِ، وأن الهِجرةَ من عِبادَةِ اللَّهِ لقوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: الحِكْمَةُ من الهِجْرَةِ هو القيامُ بعبَادَةِ اللَّه، لقولِهِ ﷿: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، وعليه إذا تَمَكَّنَ الإنسانُ من عبَادَةِ اللَّه فلا تَجِبُ عليه الهِجْرَةُ، لكنَّ الأفضَلَ الهِجْرَةُ.
الفَائِدِةُ الخامِسةُ: أن المهاجِرَ سيَجِدُ سَعةً في أرضِ اللَّهِ، لقولِهِ ﷿: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ ويَشْهَدُ لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠]، فهؤلاءِ تَرَكُوا بلادَهُم التي ضُيِّق عليهم فيها، فعَوَّضَهُم اللَّهُ بِلادًا لا يجِدُونَ فيها الضِّيقَ بل يجِدُونها ذَاتَ سَعَةٍ، ومن تركَ شيئًا للَّه عوَّضَهُ اللَّهُ خيرًا مِنْهُ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: إنعامُ اللَّه ﷾ على عِبادِهِ بالتَّرْغِيبِ بفِعْلِ الواجباتِ، لقولِهِ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، وهذا فيه مِنَ التَّرْغِيبِ والحثِّ على القيامِ بالواجِبِ ما هو ظاهِرٌ وبيِّنٌ.
الفائِدَتانِ السَّابِعَةِ والثَّامِنَةِ: تَوجِيهُ الأمرِ للإنسانِ بما هو متَّصِفٌ بِهِ، لقوله: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قَالَ: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، ويَنْبَنِي على هَذِهِ الفَائِدة أن الأمْرَ الموجَّه لمن يتَّصِفُ به يرادُ به أمران هما: تحْقِيقُهُ، والاستِمْرارُ فيه وتَكمِيلُهُ؛ لأنك إذا قلت: يا قائمٌ قُمْ، فليس لهذا مَعْنًى إلا إذا كان الغَرضُ أن تأْمُرَهُ أن يستَمِرَّ في القيامِ، وكذلك لو قلت: يا رَجُلَ كُنْ رجلًا، أي: اثْبُتْ على هذا وحقِّقِ الرُّجولَةَ وكَمِّلْهَا.
[ ٣٣٢ ]
الفَائِدةُ التَّاسِعةُ: وجوبُ الإخلاصُ للَّهِ ﷿، لقولِهِ: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.
الفَائِدةُ الْعاشِرَة: أن دارَ الإسلامِ تُضافُ إلى اللَّه ﷿؛ لأنها مكانُ عبادَتِهِ، لقوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، وهذه الإضافَةُ كما تَقَدَّمَ ليْسَتْ إضافَةَ خلْقٍ وتكوينٍ؛ لأن كلَّ الأرَاضِي للَّه ﷿، ولكِن إضافَة تشريفٌ، وأخَصُّ من ذلك أن أضافَ المكانَ المعَيَّنَ إلى اللَّهِ ﷿ مثل: المساجدُ بيوتُ اللَّه ﷿.
لو قال قائلٌ: الذين يُسَافِرُونَ من بلادِ الإسلامِ إلى بلادِ الكُفْرِ ويُقِيمُونَ عندهم، ويستَطِيعُونَ إقامَةَ شعائرِ الإسلامِ؛ هل يَجبُ عليهم أن يَسُبُّوا آلهةَ الكُفَّارِ ويُنْكِرُوا عليهم، ويُظْهِرُوا المخالَفَة لهؤلاءِ الكُفَّارِ؟
الجواب: الذين يُسَافِرُون إلى بلادِ الكُفَّار إذا كانوا يُقِيمونَ عِبادَتَهم مثلَ صلاةِ الجُمعَةِ وإقامَةِ الجماعاتِ والأمْرِ بالمعْروفِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، فليس بواجبٍ عليهم أن يَسُبُّوا آلهِةَ الكُفَّارِ ولا أن يُظِهُروا لهم المخالَفَةَ؛ لأنهم سيُخْرِجُونهم وسَيُؤْذُونهم، والكافِرُ يُقَرَّ على دِينِهِ عندَ عدَمِ الاستِطَاعَةِ.
لكني أَرَى أن السَّفَر إلى بلادِ الكُفَّارِ لا يجوزُ إلا بشُروطٍ:
الشرطُ الأَوَّلُ: الحاجَةُ، بحيث يسَافِرُ إلى شيءٍ لا يُوجَدُ في بَلَدِهِ مثل دَراسات لا توجدُ في بلَدِهِ، أو مَرَضٌ يحتَاجُ إلى علاجٍ لا يُوجَدُ في بَلَدِهِ، وما أشْبَه ذَلِك.
الشرطُ الثَّانِي: أن يكونَ عندَهُ مِنَ العِلمِ ما يَدْفَعُ به الشُّبهاتُ، فإن كان ليس عندَه من العِلْمِ ما يدْفَعُ به الشُّبهاتُ فلا يجوز؛ لأنه حِينئذٍ يُلَبَّسُ عليه دِينُه ويَضِلُّ.
الشَّرطُ الثالثُ: أن يكونَ عِندَهُ من التَّقْوى ما يَدْفَعُ به الشَّهواتِ، فإن كان الإنسان ضَعِيفًا في دِينِهِ ولا تَقْوَى عنْدَهُ فإنه لا يجوزُ له السفر؛ لما في تلك البلاد
[ ٣٣٣ ]
من الفِتَنِ العَظِيمَةِ، ولهذا رأَيْنَا مِن الناسِ من ذَهَبُوا ورَجَعُوا متأثِّرينَ، وهذا خطرٌ عَظِيمٌ ليس بالأمرِ الهَيِّنِ.
فإذا تمَت هذه الشروطُ الثلاثةُ فيجوزُ، أما مجَرَّدُ أن يسافر -والعياذ باللَّه- لأجلِ النُّزْهَةِ أو يسافِرُ لأجلِ دراسَةٍ يجدُ في بلَدِهِ ما يقومُ عنْهَا، أو يسافرُ وهو يعْرِفُ من نَفْسِهِ اتِّبَاعَ الشَّهواتِ وضعفَ الدِّينِ؛ فإن هذا لا يجوزُ له السَّفَرُ مهما كان.
لو قالَ قائلٌ: ما من عِلْمٍ إلا وهو موجودٌ في بَلادِ المسْلِمينَ فكيفَ يُجِيزونَ السَّفَرَ لبلادِ الكُفَّار مِنْ أجلِ الدِّرَاسَةِ؟
الجواب: كَثيرُ من التَّخَصُّصاتِ الحديثةِ لا تُوجَدُ في بلادِ المسْلِمينَ كعلمِ الطبِّ والجُيُولوجيا وغيرها، وقد اشتَرْطَنَا العِلْمَ وقوةَ الإيمانِ وكذلك الحاجَةَ، وكونُنَا نُشَدِّدُ على الناس في هذا الأمر خطأٌ، فالمسألة ليست نظرية فقط، بل المسألةُ نَظَرِيَّةٌ وعَمَلِيَّةٌ؛ لأن معنى ذلك أن كلَّ الَّذِين ذَهبوا للدِّرَاسَةِ كلهم على معصيةِ اللَّه منذ ذَهَابهم إلى أن يَرْجِعُوا، ويجبُ علينا أن نَهْجُرَهُمْ، فنعودُ إلى الجاهلِيَّةِ الأُولَى.
فيجبُ أن نعرفَ أن المسألةَ تحتاجُ إلى نوعٍ مِنَ المرُونَةِ في هذه الأمور، فالرجل الذي نعرف أنه ذهبَ إلى بلدٍ فيها تَخَصُّصاتٍ ليست في بلادِ المسْلِمِينَ ونعرفُ أن الرجلَ قُوِيُّ الإيمان وأن عِنْدَهُ عِلمًا؛ كيف نَمْنَعُه مِنْ إفادَةِ المسلِمينَ بهذه العُلومِ؟
لو نَحْظُرُ الأمر على الناس لقالوا: أنتم متَحَجِّرُونَ لا تُرِيدُونَ أن نَنْتَفِعَ بأيِّ شيء مما انتَفَع به النَّاسُ، دَعُونا نَذْهَبُ ونتَعَلَّمُ ونَرْجِعُ إليكم -إن شاء اللَّهُ- بالنَّفْعِ والعِلْمِ، والآن -والحمد للَّه- تَحَسَّنَتِ الأمورُ كَثِيرًا بالنِّسْبَةِ للمُبْتَعِثينَ حسب ما سمِعْنا، فهم يحرْصُون على إظْهَارِ دِينِهِمْ، بل وعلى الدعوةِ إلى اللَّهِ ﷿، ويَلْتَفُّ بعضهمُ حَول بعضٍ، فأنا أَرَى ألَّا نضْغَطَ على الناس ونقول: إن السفر حرامٌ مُطْلَقًا،
[ ٣٣٤ ]
وما دامَ هذا للحاجَةِ وليس إقامةً دائِمَةً مع اشتراطِ العِلْمِ والتَّقْوى؛ فما المانع؟
وأما حديث: "مَنْ جَامَعَ المشْرِكَ. . . " (^١) فقد يحْمَلُ على السُّكْنَى الدَّائِمَةِ التي يتَّخِذُ الإنسانُ فيها بلادَ الكُفَّارِ وطَنًا بلا ضرورةٍ، فالمسألةُ خَطِيرَةٌ من ناحِيَتَيْنِ: من ناحيةِ أن الناسَ في حاجة إلى هذا، ومن ناحِيَةٍ أن الناسَ في حاجةٍ إلى أن يَعْرِفُوا أولِياءَهم من أعدائهم، فالمسألةُ تحتاجُ إلى بَحْثٍ وتحريرٍ ومراجَعَةٍ كثيرة.
لو قِيلَ: ما حكمُ الذَّهابِ إلى بلادِ الكُفَّارِ مِنْ أجلِ الدَّعوة إلى اللَّه؟
فالجواب: يجوزُ إذا كانَ الدَّاعِي إلى اللَّه عِنْدَهُ عِلْمٌ وقوةُ إيمانٍ.
لكن لو قالَ قائلٌ: لا حاجةَ لذَهَابِهِ.
قلنا: بل له حاجَةٌ، وهي الدَّعوةُ إلى اللَّه ﷿، ومعلوم أن الَّذِي ذَهَبَ لِيَدْعُوَ إلى اللَّه ليس كالذي ذَهَبَ ليَنْتَفِعَ مِنْ عُلومِهِمْ؛ لأن الثاني يَرَى أنه ذَلِيلٌ أمامَهُم ومحتاجٌ إليهم، لكنَّ الدَّاعِيَ إلى اللَّه هُمُ المحْتَاجونَ إليه، فبينهما فَرْقٌ، ولهذا -واللَّه أعلم- كان من الأسبابِ التي انْحرفَ بها مِنِ انحرفٍ من أولئكَ الذَّاهِبين.
ولو قيل: ما حُكْمُ من يسِافرُ إلى بلاد الكفَّار لنيلِ شهادَةِ الدُّكتوراة في الشَّريعَةِ؟
فالجواب: هذا حرامٌ ولا إشكالَ من كونِهِ حَرَامًا؛ لأنه:
أوَّلًا: ليس بحاجَةٍ أن يَذْهَبَ ليدْرُسَ شريعةَ الإسلامِ في بلاد الكُفْرِ،
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك، رقم (٢٧٨٧)؛ والطبراني في الكبير (٧/ ٢٥١) (٧٠٢٣) عن سمرة بن جندب، ولفظ أبي داود: "مَنْ جَامَعَ المُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ".
[ ٣٣٥ ]
قد يدرِّسون الإسلامَ محرَّفًا.
وثانيًا: لأنه تهَجْيِنٌ (^١) بالغٌ للمسلمين، كأنَّ المسلمِينَ ليس عندهم تخَصُّصاتٌ شرْعِيَّةٌ ولا عندهم شيء يعْرِفُونَ به دِينهُم.
لو قالَ قائلٌ: ما حُكْمُ من يذهبُ لبلادِ الكفَّارِ لدِرَاسَةِ لغُتِهِمْ، ومن شُروطِ هذه الدراسةِ أن يَعِيشَ مع أسرةٍ غيرِ مُسلِمَةٍ من أجلِ تعَلُّمِ اللُّغةِ؟
فالجواب: هذا حرامٌ ولا يجوزُ؛ لأن الجلوسَ مع هذه الأسرةِ فيه مفاسِدُ كثيرةٌ، فقد يكونُ في هذه الأسرةِ فتياتٌ شَابَّاتٌ يُفْسِدْنَ هؤلاءِ الدارسين من المسلمين، ومشْكِلَةُ السفَرِ إلى بلاد الكفَّارِ مشكلةٌ عظيمةٌ جدًّا.
مسألة: ما حدُّ دارِ الإسلامِ ودارِ الكُفْرِ؟
دار الإسلامِ هي التي تُقامُ فيها شعائرُ الإسلامِ بقَطْعِ النَّظَرِ عن حكَّامهم؛ حتى لو تَوَلَّى عليهم حاكمٌ كافرٌ، فما دامُوا يُقِيمونَ شعائرَ الإسلامِ، كالأذانِ وإقامةِ الصلاةِ والجمعِ والأعيادِ الشَّرْعِيَّةِ والصومِ والحجِّ وما أشْبَهَ ذلك؛ فهذه دارُ إسلامِ.
وأما قول من يقولُ: إن بلادَ الإسلامِ هي التي يحْكُمُها المسلمون، أي: يكونُ حُكَّامُهَا مسلمين، فهذا ليسَ بصَحِيحٍ.
ولكن إذا كان يَظْهَرُ فيها شعائرُ الإسلامِ وشعائرُ الكُفْرِ، كما لو كانت تُقامُ فيها الجُمَعُ والجماعاتُ، ولكن يُسْمَعُ فيها أيضًا أبواقُ اليهودِ ونواقِيسُ النَّصارى، وتُقامُ فيها صلواتُ النَّصارى واليهود، ففي هذه الحال قد نَرْجِعُ إلى الحُكَّامِ والأغْلَبِيَّةِ؛ لأن الحاكِمَ قد يَعْجَزُ عن إزالة شعائرِ الكُفْرِ، فإذا كان غالبُ البلد
_________________
(١) التهجين: التقبيح. انظر القاموس المحيط (هجن).
[ ٣٣٦ ]
مُسلمين وحُكَّامُها مُسلمون، قلنا: هذه بلادُ إسلامٍ وإن كان فيها شيءٌ من شَعائرِ الكُفْرِ؛ لأن الغَلبةَ كمِّيَّةٌ وسُلْطَةٌ للمسلمين، لكن يَعْجَزُونَ عن إزالةِ شعائرِ الكُفْرِ؛ لأن إظهارَ شعائرِ الكُفر في بلادِ المسلمين لا يجوزُ ويجِبُ مَنْعُهُ، حتى إظهارُ الصَّليبِ ممنوعٌ في بلاد الإسلامِ، فكون الصَّليبِ يُرْفعُ على الكنائسِ أو في الطُّرقاتِ هذا ممنوعٌ في بلاد الإسلام.
* * *
[ ٣٣٧ ]