الطاغي أن يغتر بنعم الله ﷿؛ فهذه النعم قد تكون استدراجًا من الله؛ فالله ﷾ يملي، كما قال تعالى: ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾؛ ولو شاء لأخذهم، ولكنه ﷾ يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. كما جاء في الحديث (^١) ..
فإن قال قائل: كيف يعرف الفرق بين النعم التي يجازى بها العبد، والنعم التي يستدرج بها العبد؟
فالجواب: أن الإنسان إذا كان مستقيمًا على شرع الله فالنعم من باب الجزاء؛ وإذا كان مقيمًا على معصية الله مع توالي النعم فهي استدراج ..
. ٤ ومن فوائد الآيتين: أن صاحب الطغيان يعميه هواه، وطغيانه عن معرفة الحق، وقبوله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾؛ ومن الطغيان أن يُقَدِّم المرء قوله على قول الله ورسوله؛ والله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم (الحجرات: ١).
القرآن
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (البقرة: ١٦)
_________________
(١) راجع البخاري ص ٣٨٩، كتاب التفسيرن باب ٥: قوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد)، حديث رقم ٤٦٨٦؛ ومسلمًا ص ١١٣٠، كتاب البر والصلة والأدب، باب ١٥: تحريم الظلم، حديث رقم ٦٥٨١ [٦١] ٢٥٨٣.
[ ١ / ٥٩ ]
التفسير:.
﴿١٦﴾ قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾؛ "أولاء" اسم إشارة؛ والمشار إليهم المنافقون؛ وجاءت الإشارة بصيغة البُعد لبُعد منزلة المنافق سفولًا؛ و﴿اشتروا﴾ أي اختاروا؛ و﴿الضلالة﴾: العماية؛ وهي ما ساروا عليه من النفاق؛ و﴿بالهدى﴾: الباء هنا للعوض؛ أخذوا الضلالة، وأعطوا الهدى. مثلما تقول: اشتريت الثوب بدرهم؛ فالهدى المدفوع عوض عن الضلالة المأخوذة، كما أن الدرهم المدفوع عوض عن الثوب المأخوذ ..
قوله تعالى: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ أي ما زادت تجارتهم. وهي اشتراؤهم الضلالة بالهدى ..
قوله تعالى: ﴿وما كانوا مهتدين﴾ أي ما كانوا متصفين بالاهتداء حينما اشتروا الضلالة بالهدى؛ بل هم خاسرون في تجارتهم ضالون في منهجهم ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: بيان سفه هؤلاء المنافقين، حيث اشتروا الضلالة بالهدى ..
. ٢ ومنها: شغف المنافقين بالضلال؛ لأنه ﵎ عبر عن سلوكهم الضلال بأنهم اشتروه؛ والمشتري مشغوف بالسلعة محب لها ..
. ٣ ومنها: أن الإنسان قد يظن أنه أحسنَ عملًا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنًا منهم أنهم على صواب، وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ ..
[ ١ / ٦٠ ]