أتباعهم؛ لأن رأس المنافقين هو الذي استوقد النار، وأراد أن ينفع بها أقرانه، ثم ذهبت الإضاءة، وبقيت الحرارة، والظلمة، وتركهم جميعًا في ظلمات لا يبصرون ..
قوله تعالى: ﴿وتركهم في ظلمات﴾: جمعها لتضمنها ظلمات عديدة؛ أولها: ظلمة الليل؛ لأن استيقاد النار للإضاءة لا يكون إلا في الليل؛ لأنك إذا استوقدت نارًا بالنهار فإنها لا تضيء؛ والثانية: ظلمة الجو إذا كان غائمًا؛ والثالثة: الظلمة التي تحدث بعد فقد النور؛ فإنها تكون أشد من الظلمة الدائمة؛ و﴿لا يبصرون﴾ تأكيد من حيث المعنى لقوله تعالى: ﴿في ظلمات﴾ دال على شدة الظلمة
﴿١٨﴾ قوله تعالى في وصفهم: ﴿صم﴾ خبر لمبتدأ محذوف. أي هم صم؛ و﴿صم﴾ جمع أصم؛ و"الأصم" الذي لا يسمع، لكنه هنا ليس على سبيل الإطلاق؛ بل أريد به شيء معين: أي هم صم عن الحق، فلا يسمعون؛ والمراد نفي السمع المعنوي. وهو السمع النافع؛ لا الحسي. وهو الإدراك؛ لأن كلهم يسمعون القرآن، ويفهمون معناه، لكن لما كانوا لا ينتفعون به صاروا كالصم الذين لا يسمعون؛ وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ (الأنفال: ٢١).
قوله تعالى: ﴿بُكْمٌ﴾ جمع أبكم؛ وهو الذي لا ينطق؛ والمراد أنهم لا ينطقون بالحق؛ وإنما ينطقون بالباطل؛ و﴿عُمْيٌ﴾ جمع أعمى؛ والمراد أنهم لا ينتفعون بما يشاهدونه من الآية التي تظهر على أيدي الرسل. عليهم الصلاة والسلام ..
فبهذا سُدت طرق الحق أمامهم؛ لأن الحق إما مسموع؛
[ ١ / ٦٣ ]
وإما مشهود؛ وإما معقول؛ فهم لا يسمعون، ولا يشهدون؛ كذلك أيضًا لا يؤخذ منهم حق؛ لأنهم لا ينطقون بالحق؛ لأنهم بُكم؛ فهم لا ينتفعون بالحق من غيرهم، ولا ينفعون غيرهم بحق ..
قوله تعالى: ﴿فهم لا يرجعون﴾: الفاء هذه عاطفة، لكنها تفيد السببية. أي بسبب هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عن غيِّهم؛ فلا ينتفعون بسماع الحق، ولا بمشاهدته، ولا ينطقون به ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: بلاغة القرآن، حيث يضرب للمعقولات أمثالًا محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى الفهم من الشيء المعقول؛ لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا، كما قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣] ..
. ٢ ومنها: ثبوت القياس، وأنه دليل يؤخذ به؛ لأن الله أراد منا أن نقيس حالهم على حال من يستوقد؛ وكل مثل في القرآن فهو دليل على ثبوت القياس
٣ ومنها: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله تعالى: ﴿كمثل الذي استوقد نارًا﴾؛ فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى، والعلم، والنور؛ فإذا وصل إلى قلوبهم. بمجرد ما يصل إليها. يتضاءل، ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب، وأعمام، وأخوال، وأقارب؛ فربما يجلس إلى المؤمن حقًا، فيتكلم له بإيمان حقيقي، ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول ..
[ ١ / ٦٤ ]
٤ ومن فوائد الآيتين: أن الإيمان نور له تأثير حتى في قلب المنافق؛ لقوله تعالى: ﴿فلما أضاءت ما حوله﴾: الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم؛ ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر؛ ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين. وهي أوسع ما تحدَّث الله به عن المنافقين: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم﴾ [المنافقون: ٣] ..
. ٥ ومنها: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلت الظلمة الشديدة؛ بل الظلمات ..
. ٦ ومنها: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، كأنه أخذه قهرًا ..
فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟
فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد ﷿ بسببهم؛ وتذكَّر دائمًا قول الله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]. حتى يتبين لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فإنما ذلك بسبب منه
. ٧ ومن فوائد الآيتين: تخلي الله عن المنافقين؛ لقوله تعالى: [وتركهم]
ويتفرع على ذلك: أن من تخلى الله عنه فهو هالك. ليس عنده نور، ولا هدًى، ولا صلاح؛ لقوله تعالى: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون).
٨ ومن فوائد الآيتين: أن هؤلاء المنافقين أصم الله تعالى آذانهم، فلا يسمعون الحق؛ ولو سمعوا ما انتفعوا؛ ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا
[ ١ / ٦٥ ]