أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ [العنكبوت: ١، ٢] ليس فيها ذكر القرآن؛ ولكن فيها شيء من القصص الذي هو أحد خصائص القرآن: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنَّ الله الذين صدقوا ﴾ (العنكبوت: ٣)
فهذا القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره جمع من أهل العلم هو الراجح: أن الحكمة من هذا ظهور إعجاز القرآن في أبلغ صوره، حيث إن القرآن لم يأتِ بجديد من الحروف؛ ومع ذلك فإن أهل اللغة العربية عجزوا عن معارضته وهم البلغاء الفصحاء ..
وقال بعضهم: إن الحكمة منها تنشيط السامعين؛ فإذا تلي القرآن، وقرئ قوله تعالى: ﴿الم﴾ كأنه تعالى يقول: أنصتوا؛ وذلك لأجل المشركين. حتى ينصتوا له
ولكن هذا القول فيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك لكان هذا في كل السور؛ مع أن أكثر السور غير مبتدئ بمثل هذه الحروف؛ وأيضًا لو كان كذلك ما صارت في السور المدنية. مثل سورة البقرة.؛ لأن السور المدنية ليس فيها أحد يلغو في القرآن؛ فالصواب أن الحكمة من ذلك هو ظهور إعجاز القرآن ..
. ﴿٢﴾ قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب﴾: "ذا" اسم إشارة؛ واللام للبعد؛ فإذا كان المشار إليه بعيدًا تأتي بهذه اللام التي نسميها "لام البعد"؛ أما الكاف فهي للخطاب؛ وهذه الكاف فيها ثلاث لغات:.
الأولى: مراعاة المخاطب؛ فإن كان مفردًا مذكرًا فُتِحت؛ وإن كان مفردًا مؤنثًا كُسِرت، وإن كان مثنى قرنت بالميم،
[ ١ / ٢٤ ]
والألف: "ذلكما"؛ وإن كان جمعًا مذكرًا قرنت بالميم: "ذلكم"؛ وإن كان جمعًا مؤنثًا قرنت بالنون المشددة: "ذلكنَّ"؛ وهذه هي اللغة الفصحى ..
اللغة الثانية: لزوم الفتح والإفراد مطلقًا، سواء خاطبت مذكرًا، أو مؤنثًا، أو مثنى، أو جمعًا؛ فتقول للرجل: "ذلكَ"؛ وللمرأة: "ذلكَ"؛ وللاثنين: "ذلكَ"؛ وللجماعة: "ذلكَ" ..
اللغة الثالثة: أن تكون بالإفراد سواء كان المخاطب واحدًا، أم أكثر. مفتوحة في المذكر مكسورة في المؤنث.؛ فتقول: "ذلكَ" إذا كان المخاطب مذكرًا؛ وتقول: "ذلكِ" إذا كان مؤنثًا ..
والخطاب في قوله تعالى: ﴿ذلك﴾ لكل مخاطب يصح أن يوجه إليه الخطاب؛ والمعنى: ذلك أيها الإنسان المخاطَب ..
والمراد بـ ﴿الكتاب﴾ القرآن؛ و﴿الكتاب﴾ بمعنى المكتوب؛ لأن "فِعال" كما تأتي مصدرًا. مثل: قتال، ونضال. تأتي كذلك بمعنى اسم مفعول، مثل: بناء بمعنى مبني؛ وغراس بمعنى مغروس؛ فكذلك "كتاب" بمعنى مكتوب؛ فهو مكتوب عند الله؛ وهو أيضًا مكتوب بالصحف المكرمة، كما قال تعالى: ﴿في صحف مكرمة * مرفوعة مطهَّرة * بأيدي سفرة﴾ [عبس: ١٣. ١٥]؛ وهو مكتوب في الصحف التي بين أيدي الناس؛ وأشار إليه بأداة البعيد لعلوّ منزلته؛ لأنه أشرف كتاب، وأعظم كتاب ..
قوله تعالى: ﴿لا ريب فيه هدًى للمتقين﴾: أهل النحو يقولون: إنّ ﴿لا﴾ هنا نافية للجنس؛ و﴿ريب﴾ اسمها مبني على الفتح؛ لأنه مركب معها؛ فهي في محل نصب؛ ويقولون: إنّ ﴿لا﴾ النافية للجنس تفيد العموم في أقصى غايته. يعني تدل على
[ ١ / ٢٥ ]
العموم المطلق.، فتشمل القليل، والكثير؛ فإذًا القرآن ليس فيه ريب لا قليل، ولا كثير ..
و"الريب" هو الشك؛ ولكن ليس مطلق الشك؛ بل الشك المصحوب بقلق لقوة الداعي الموجب للشك؛ أو لأن النفس لا تطمئن لهذا الشك؛ فهي قلقة منه. بخلاف مطلق الشك.؛ ولهذا من فسّر الريب بالشك فهذا تفسير تقريبي؛ لأن بينهما فرقًا ..
والنفي هنا على بابه؛ فالجملة خبرية؛ هذا هو الراجح؛ وقيل: إنه بمعنى النهي. أي لا ترتابوا فيه.؛ والأول أبلغ؛ فإن قال قائل: ما وجه رجحانه؟
فالجواب: أن هذا ينبني على قاعدة هامة في فهم وتفسير القرآن: وهي أنه يجب علينا إجراء القرآن على ظاهره، وأن لا نصرفه عن الظاهر إلا بدليل، مثل قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فهذه الآية ظاهرها خبر؛ لكن المراد بها الأمر؛ لأنه قد لا تتربص المطلقة؛ فما دمت تريد تفسير القرآن الكريم فيجب عليك أن تجريه على ظاهره إلا ما دلّ الدليل على خلافه؛ وذلك؛ لأن المفسر للقرآن شاهد على الله بأنه أراد به كذا، وكذا؛ وأنت لو فسّرت كلام بشر على خلاف ظاهره لَلامَكَ هذا المتكلم، وقال: "لماذا تحمل كلامي على خلاف ظاهره! ليس لك إلا الظاهر"؛ مع أنك لو فسرت كلام هذا الرجل على خلاف ظاهره لكان أهون لومًا مما لو فسرت كلام الله؛ لأن المتكلم. غير الله. ربما يخفى عليه المعنى، أو يعييه التعبير، أو يعبر بشيء ظاهره خلاف ما يريده، فتفسره أنت على ما تظن أنه يريده؛ أما كلام الله ﷿ فهو صادر عن علم، وبأبلغ كلام،
[ ١ / ٢٦ ]
وأفصحه؛ ولا يمكن أن يخفى على الله ﷿ ما يتضمنه كلامه؛ فيجب عليك أن تفسره بظاهره ..
فقوله تعالى: ﴿لا ريب فيه﴾: ظاهرها أنها جملة خبرية تفيد النفي؛ والمعنى: ليس فيه ريب أبدًا؛ وقيل: إن الخبر هنا بمعنى النهي؛ فمعنى: ﴿لا ريب فيه﴾: لا ترتابوا فيه؛ والذي أوجب أن يفسروا النفي بمعنى النهي قالوا: لأنه قد حصل فيه ريب من الكفار، والمنافقين؛ قال تعالى: ﴿فهم في ريبهم يترددون﴾ [التوبة: ٤٥]؛ فلا يستقيم النفي حينئذ؛ وتكون هذه القرينة الواقعية من ارتياب بعض الناس في القرآن قرينةً موجبة لصرف الخبر إلى النهي؛ ولكننا نقول: إن الله تعالى يتحدث عن القرآن من حيث هو قرآن. لا باعتبار من يتلى عليهم القرآن.؛ والقرآن من حيث هو قرآن لا ريب فيه؛ عندما أقول لك: "هذا الماء عذب" فهذا بحسب وصف الماء بقطع النظر عن كون هذا الماء في مذاق إنسان من الناس ليس عذبًا؛ كون مذاق الماء العذب مرًا عند بعض الناس فهذا لا يؤثر على طبيعة الماء العذب؛ وقد قال المتنبي:.
(ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ، يجدْ مُرًّا به الماءَ الزُّلالا) فما علينا من هؤلاء إذا كان القرآن عندهم محل ريبة؛ فإن القرآن في حد ذاته ليس محل ريبة؛ والله ﷾ يصف القرآن من حيث هو قرآن؛ على أن كثيرًا من الذين ادّعوا الارتياب كاذبون يقولون ذلك جحودًا، كما قال تعالى: ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ [الأنعام: ٣٣]؛ فكثير منهم ربما لا يكون عنده ارتياب حقيقي في القرآن؛ ويكون في داخل نفسه يعرف أن هذا ليس بقول الرسول ﷺ وأن محمدًا ﷺ لا
[ ١ / ٢٧ ]
يستطيع أن يأتي بمثله؛ ولكن مع ذلك يجحدون، وينكرون ..
وعلى هذا فالوجه الأول هو الوجه القوي الذي لا انفصام عنه. وهو أن الله تعالى وصف القرآن من حيث هو قرآن بقطع النظر عمن يُتلى عليهم هذا القرآن: أيرتابون، أم لا يرتابون فيه ..
وقوله تعالى: ﴿لا ريب فيه هدًى للمتقين﴾: وقف بعض القراء على قوله تعالى: ﴿لا ريب﴾؛ وعليه فيكون خبر ﴿لا﴾ محذوفًا؛ والتقدير: لا ريب في ذلك؛ ويكون الجار والمجرور خبرًا مقدمًا، و﴿هدًى﴾ مبتدأً مؤخرًا؛ ووقف بعضهم على قوله تعالى: ﴿فيه﴾؛ وعليه فيكون الجار والمجرور خبر ﴿لا﴾؛ ويكون قوله تعالى: ﴿هدًى﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو هدًى للمتقين ..
و"التقوى": اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: بيان علوّ القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك﴾؛ فالإشارة بالبعد تفيد علوّ مرتبته؛ وإذا كان القرآن عالي المكانة والمنزلة، فلا بد أن يعود ذلك على المتمسك به بالعلوّ والرفعة؛ لأن الله ﷾ يقول: ﴿ليظهره على الدين كله﴾ [التوبة: ٣٣]؛ وكذلك ما وُصِف به القرآن من الكرم، والمدح، والعظمة فهو وصف أيضًا لمن تمسك به ..
. ٢ ومنها: رفعة القرآن من جهة أنه قرآن مكتوب معتنىً به؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب﴾؛ وقد بيّنّا أنه مكتوب في ثلاثة مواضع: اللوح المحفوظ، والصحف التي بأيدي الملائكة، والمصاحف التي بأيدي الناس ..
[ ١ / ٢٨ ]
٣ ومن فوائد الآية: أن هذا القرآن نزل من عند الله يقينًا؛ لقوله تعالى: (لا ريب فيه)
. ٤ ومنها: أن المهتدي بهذا القرآن هم المتقون؛ فكل من كان أتقى لله كان أقوى اهتداءً بالقرآن الكريم؛ لأنه عُلِّق الهدى بوصف؛ والحكم إذا عُلق بوصف كانت قوة الحكم بحسب ذلك الوصف المعلَّق عليه؛ لأن الوصف عبارة عن علة؛ وكلما قويت العلة قوي المعلول ..
. ٥ ومن فوائد الآية: فضيلة التقوى، وأنها من أسباب الاهتداء بالقرآن، والاهتداء بالقرآن يشمل الهداية العلمية، والهداية العملية؛ أي هداية الإرشاد، والتوفيق ..
فإن قيل: ما الجمع بين قوله تعالى: ﴿هدًى للمتقين﴾، وقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾؟ (البقرة: ١٨٥).
فالجواب: أن الهدى نوعان: عام، وخاص؛ أما العام فهو الشامل لجميع الناس وهو هداية العلم، والإرشاد؛ ومثاله قوله تعالى عن القرآن: ﴿هدًى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى عن ثمود: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]؛ وأما الخاص فهو هداية التوفيق: أي أن يوفق الله المرء للعمل بما علم؛ مثاله: قوله تعالى ﴿هدًى للمتقين﴾، وقوله تعالى: ﴿قل هو للذين آمنوا هدًى وشفاء﴾ [فصلت: ٤٤] ..
[ ١ / ٢٩ ]