٩ ومنها: الحث على طلب العلم؛ إذ لا تمكن العبادة إلا بالعلم؛ ولهذا ترجم البخاري. ﵀. على هذه المسألة بقوله: "باب: العلم قبل القول، والعمل ..
القرآن
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢)
التفسير:.
﴿٢٢﴾ قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشًا ﴾ هذا من باب تعديد أنواع من مخلوقاته ﷿؛ جعل الله لنا الأرض فراشًا مُوَطَّأة يستقر الإنسان عليها استقرارًا كاملًا مهيأة له يستريح فيها. ليست نشَزًا؛ وليست مؤلمة عند النوم عليها، أو عند السكون عليها، أو ما أشبه ذلك؛ والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة: وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبأنها مهاد ..
قوله تعالى: ﴿والسماء بناءً﴾. كما قال تعالى: ﴿وبنينا فوقكم سبعًا شدادًا﴾ [النبأ: ١٢]: السماء جعلها الله بمنزلة البناء، وبمنزلة السقف، كما قال تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا﴾ (الأنبياء: ٣٢)
قوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماءً﴾: ليست هي السماء الأولى؛ بل المراد بـ ﴿السماء﴾ هنا العلو؛ لأن الماء. الذي هو المطر. ينزل من السحاب، والسحاب بين السماء، والأرض،
[ ١ / ٧٥ ]
كما قال الله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يزجي سحابًا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركامًا فترى الودق يخرج من خلاله﴾ [النور: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قوله تعالى: ﴿والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾ [البقرة: ١٦٤]؛ وبهذا نعرف أن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: البناء الذي فوقنا؛ والمعنى الثاني: العلو ..
قوله تعالى: ﴿فأخرج به﴾ أي بسببه؛ ﴿من الثمرات﴾ جمع ثمرة؛ وجمعت باعتبار أنواعها ..
قوله تعالى: ﴿رزقًا لكم﴾ أي عطاء لكم؛ وهو مفعول لأجله ..
قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا﴾ أي لا تُصَيِّروا ﴿لله أندادًا﴾ أي نظراء، ومشابهين في العبادة ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنه لا نِد له في الخلق، والرزق، وإنزال المطر، وما أشبه ذلك من معاني الربوبية، ومقتضياتها؛ لأن المشركين يقرُّون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله إقرارًا تامًا، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا؛ لكن في العبادة ينكرون التوحيد: يشركون؛ يجعلون مع الله إلهًا آخر؛ وينكرون على من وحّد الله حتى قالوا في الرسول ﷺ ﴿أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب﴾ [ص: ٥]؛ وإقرارهم بالخلق، والرزق أن الله منفرد به يستلزم أن يجعلوا العبادة لله وحده؛ فإن لم يفعلوا فهم متناقضون؛ ولهذا قال العلماء. ﵏.: توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛
[ ١ / ٧٦ ]
يعني من أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية؛ ومن أقر بتوحيد الألوهية فإنه لم يقرَّ بها حتى كان قد أقر بتوحيد الربوبية ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: بيان رحمة الله تعالى، وحكمته في جعل الأرض فراشًا؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال؛ لكن من رحمته، ولطفه، وإحسانه جعلها فراشًا ..
. ٢ ومنها: جعْل السماء بناءً؛ وفائدتنا من جعل السماء بناءً أن نعلم بذلك قدرة الله ﷿؛ لأن هذه السماء المحيطة بالأرض من كل الجوانب نعلم أنها كبيرة جدًا، وواسعة، كما قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾ (الذاريات: ٤٧) ..
٣ ومنها: بيان قدرة الله ﷿ بإنزال المطر من السماء؛ لقوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماء﴾؛ لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا؛ والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة؛ وقصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قال: ادع الله يغيثنا، فرفع (ﷺ يديه، وقال: "اللهم أغثنا" (^١)، وما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته ..
_________________
(١) أخرجه البخاري ص ٧٩، أبواب الاستسقاء، باب ٧: الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، حديث رقم ١٠١٤؛ وأخرجه مسلم ص ٨١٧، كتاب صلاة الاستسقاء، باب ٢: الدعاء في الاستسقاء، حديث رقم ٢٠٧٨ [٨] ٨٩٧.
[ ١ / ٧٧ ]
٤ ومنها: حكمة الله ﷾، ورحمته بإنزال المطر من السماء؛ وجه ذلك: لو كان الماء الذي تحيى به الأرض يجري على الأرض لأضر الناس؛ ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراضٍ كثيرة. الأراضي المرتفعة لا يأتيها شيء؛ ولكن من نعمة الله أن ينزل من السماء؛ ثم هناك شيء آخر أيضًا: أنه ينزل رذاذًا. يعني قطرةً قطرةً؛ ولو نزل كأفواه القرب لأضر بالناس ..
. ٥ ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: (فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم) ..
. ٦ ومنها: أن الأسباب لا تكون مؤثرة إلا بإرادة الله ﷿؛ لقوله تعالى: (فأخرج به)
٧ ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يضيف الشيء إلى سببه أن يضيفه إلى الله مقرونًا بالسبب، مثل لو أن أحدًا من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه. أنقذه من الغرق؛ فليقل: أنقذني الله بفلان؛ وله أن يقول: أنقذني فلان؛ لأنه فعلًا أنقذه؛ وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان؛ وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله؛ ويدل لهذا. أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله مقرونًا بالسبب. أن النبي ﷺ لما دعا الغلام اليهودي للإسلام وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي ﷺ أن يسلم، فأسلم؛ لكنه أسلم بعد أن استشار أباه: التفت إليه ينظر إليه يستشيره؛ قال: "أطع أبا القاسم". أمر ولده أن يسلم، وهو لم يسلم في تلك الحال، أما بعد فلا ندري، والله أعلم؛ فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله
[ ١ / ٧٨ ]
الذي أنقذه بي من النار" (^١)، وهكذا ينبغي لنا إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى مقرونًا ببيان السبب؛ وذلك؛ لأن السبب موصل فقط ..
. ٨. ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله، وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر: تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءًا فتصبح الأرض مخضرَّة﴾ [الحج: ٦٣]؛ وأما الفضل فبما يمن الله به من الثمرات؛ ولذلك قال تعالى: ﴿رزقًا لكم﴾
٩ ومنها: أن الله ﷿ منعم على الإنسان كافرًا كان، أو مؤمنًا؛ لقوله تعالى: ﴿لكم﴾، وهو يخاطب في الأول الناس عمومًا؛ لكن فضل الله على المؤمن دائم متصل بفضل الآخرة؛ وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا ..
. ١٠ ومنها: تحريم اتخاذ الأنداد لله؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾؛ وهل الأنداد شرك أكبر، أو شرك أصغر؛ وهل هي شرك جلي، أو شرك خفي؛ هذا له تفصيل في علم التوحيد؛ خلاصته: إن اتخذ الأنداد في العبادة، أو جعلها شريكة لله في الخلق، والملك، والتدبير فهو شرك أكبر؛ وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، كقول الرجل لصاحبه: "ما شاء الله وشئت" ..
_________________
(١) أخرجه أبو داود ص ١٤٥٦، كتاب الجنائز، باب ٢: في عيادة الذمي، حديث رقم ٣٠٩٥؛ وأخرجه أحمد ٣/ ١٧٥، رقم ١٢٨٢٣.
[ ١ / ٧٩ ]