مهتدٍ؛ فكلمة: ﴿كثيرًا﴾ لا تعني الأكثر؛ وعلى هذا لو قال إنسان: عندي لك دراهم كثيرة، وأعطاه ثلاثة لم يلزمه غيرها؛ لأن "كثير" يطلق على القليل، وعلى الأكثر ..
. ١٠ ومن فوائد الآية: أن إضلال من ضل ليس لمجرد المشيئة؛ بل لوجود العلة التي كانت سببًا في إضلال الله العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ (الصف: ٥) ..
. ١١ ومنها: الرد على القدرية الذين قالوا: إن العبد مستقل بعمله. لا علاقة لإرادة الله تعالى به؛ لقوله تعالى: (وما يضل به إلا الفاسقين) ..
القرآن
(الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة: ٢٧)
التفسير:.
﴿٢٧﴾ قوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ أي العهد الذي بينهم وبين الله ﷿؛ وهو الإيمان به، وبرسله؛ فإن هذا مأخوذ على كل إنسان؛ إذا جاء رسول بالآيات فإن الواجب على كل إنسان أن يؤمن به؛ فهؤلاء نقضوا عهد الله، ولم يؤمنوا به، وبرسله؛ والنقض حَلّ الشيء بعد إبرامه؛ وقد بين الله ﷿ هذا العهد في قوله تعالى: ﴿ولقد
[ ١ / ١٠١ ]
أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضًا حسنًا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل﴾ [المائدة: ١٢] ..
قوله تعالى: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ أي يقطعون كل ما أمر الله به أن يوصل، كالأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق ..
قوله تعالى: ﴿ويفسدون في الأرض﴾ أي يسعون لما به فساد الأرض فسادًا معنويًا كالمعاصي؛ وفسادًا حسيًا كتخريب الديار، وقتل الأنفس ..
قوله تعالى: ﴿أولئك هم الخاسرون﴾: جملة اسمية مؤكَّدة بضمير الفصل: ﴿هم﴾؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد؛ الفائدة الأولى: التوكيد؛ والفائدة الثانية: الحصر؛ والفائدة الثالثة: إزالة اللبس بين الصفة، والخبر؛ مثال ذلك: تقول: "زيد الفاضل": كلمة "الفاضل" يحتمل أن تكون خبرًا؛ ويحتمل أن تكون وصفًا، فتقول: "زيد الفاضل محبوب"؛ إذا قلت: "زيد الفاضل محبوب" تعين أن تكون صفة؛ وإذا قلت: "زيد الفاضل" يحتمل أن تكون صفة، والخبر لم يأت بعد؛ ويحتمل أن تكون خبرًا؛ فإذا قلت: "زيد هو الفاضل" تعين أن تكون خبرًا لوجود ضمير الفصل؛ ولهذا سُمي ضمير فصل. لفصله بين الوصف والخبر؛ الفائدة الثانية: التوكيد؛ إذا قلت: "زيد هو الفاضل" كان أبلغ من قولك: "زيد الفاضل"؛ والفائدة الثالثة: الحصر؛ فإنك إذا قلت: "زيد هو
[ ١ / ١٠٢ ]
الفاضل" فقد حصرت هذا الوصف فيه دون غيره؛ وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب، كما في قوله تعالى: ﴿لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين﴾ [الشعراء: ٤٠]؛ ولو كان له محل من الإعراب لكانت: "هم الغالبون"؛ وربما يضاف إليه اللام، كما في قوله تعالى: ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ [آل عمران: ٦٢]؛ فيكون في إضافة اللام إليه زيادة توكيد ..
وقوله تعالى: ﴿الخاسرون﴾؛ "الخاسر" هو الذي فاته الربح؛ وذلك؛ لأن هؤلاء فاتهم الربح الذي ربحه من لم ينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ولم يقطع ما أمر الله به أن يوصل ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أن نقض عهد الله من الفسق؛ لقوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ فكلما رأيت شخصًا قد فرط في واجب، أو فعل محرمًا فإن هذا نقض للعهد من بعد الميثاق ..
. ٢ ومنها: التحذير من نقض عهد الله من بعد ميثاقه؛ لأن ذلك يكون سببًا للفسق
٣ ومنها: التحذير من قطع ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام. أي الأقارب. وغيرهم؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام الذم؛ وقطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ لا يدخل الجنة قاطع" (^١)، يعني قاطع رحم ..
_________________
(١) أخرجه البخاري ص ٥٠٧، كتاب الأدب، باب ١١: إثم القاطع، حديث رقم ٥٩٨٤؛ وأخرجه مسلم ص ١١٢٦، كتاب البر والصلة، باب ٦: صلة الرحمن وتحريم قطيعتها، حديث رقم ٦٥٢٠ [١٨] ٢٥٥٦.
[ ١ / ١٠٣ ]
٤ ومنها: أن المعاصي والفسوق سبب للفساد في الأرض، كما قال تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١]؛ ولهذا إذا قحط المطر، وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم، وأقاموا صلاة الاستسقاء، وتضرعوا إليه ﷾، وتابوا إليه، أغاثهم الله ﷿؛ وقد قال نوح ﵇ لقومه: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا * يرسل السماء عليكم مدرارًا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لهم أنهارًا﴾ [نوح: ١٠. ١٢] ..
فإن قال قائل: أليس يوجد في الأرض من هم صلحاء قائمون بأمر الله مؤدون لحقوق عباد الله ومع ذلك نجد الفساد في الأرض؟
فالجواب: أن هذا الإيراد أوردته أم المؤمنين زينب ﵂ على النبي ﷺ حيث قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب"؛ قالت: أنهلك وفينا الصالحون؟! قال ﷺ: "نعم، إذا كثر الخبث" (^١)؛ وقوله ﷺ "إذا كثر الخبث" يشمل معنيين:.
أحدهما: أن يكثر الخبث في العاملين بحيث يكون عامة الناس على هذا الوصف ..
والثاني: أن يكثر فعل الخبث بأنواعه من فئة قليلة، لكن لا
_________________
(١) أخرجه البخاري ص ٢٧١، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ٧: قصة يأجوج ومأجوج، حديث رقم ٣٣٤٦؛ وأخرجه مسلم ص ١١٧٦ - ١١٧٧، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ١: اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج، حديث رقم ٧٢٣٥ [١] ٢٨٨٠.
[ ١ / ١٠٤ ]