٢ ومنها: أن آدم. ﵊. امتثل، وأطاع، ولم يتوقف؛ لقوله تعالى: ﴿فلما أنبأهم﴾؛ ولهذا طوى ذكر قوله: "فأنبأهم" إشارة إلى أنه بادر، وأنبأ الملائكة ..
. ٣ ومنها: جواز تقرير المخاطب بما لا يمكنه دفعه؛ والتقرير لا يكون إلا هكذا. أي بأمر لا يمكن دفعه؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض﴾ ..
. ٤ ومنها: بيان عموم علم الله ﷿، وأنه يتعلق بالمشاهد، والغائب؛ لقوله تعالى:
(أعلم غيب السموات والأرض) ..
. ٥ ومنها: أن السموات ذات عدد؛ لقوله تعالى: ﴿السموات﴾؛ و"الأرض" جاءت مفردة، والمراد بها الجنس؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢] أي في العدد ..
. ٦ ومنها: أن الملائكة لها إرادات تُبدى، وتكتم؛ لقوله تعالى: ﴿وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾ ..
. ٧ ومنها: أن الله تعالى عالم بما في القلوب سواء أُبدي أم أُخفي؛ لقوله تعالى: (ما تبدون وما كنتم تكتمون)
فإن قال قائل: ما الدليل على أن الملائكة لها قلوب؟ ..
فالجواب: قوله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣
القرآن
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة: ٣٤)
[ ١ / ١٢٤ ]
التفسير:
. ﴿٣٤﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا﴾ يعني اذكر إذ قلنا؛ ومثل هذا التعبير يتكرر كثيرًا في القرآن، والعلماء يقدرون لفظ: "اذكر"، وهم بحاجة إلى هذا التقدير؛ لأن "إذ" ظرفية؛ والظرف لا بد له من شيء يتعلق به إما مذكورًا؛ وإما محذوفًا؛ وفي نظم الجُمل:.
لا بد للجار من التعلق بفعل أو معناه نحو مرتقي ومثله الظرف؛ وجاء الضمير في ﴿قلنا﴾ بضمير الجمع من باب التعظيم. لا التعدد. كما هو معلوم ..
قوله تعالى: ﴿للملائكة﴾: سبق الكلام على ذكر الملائكة، ومن أين اشتق هذا اللفظ ..
قوله تعالى: ﴿اسجدوا لآدم﴾: "السجود" هو السجود على الأرض بأن يضع الساجد جبهته على الأرض خضوعًا، وخشوعًا؛ وليس المراد به هنا الركوع؛ لأن الله تعالى فرَّق بين الركوع والسجود، كما في قوله تعالى: ﴿تراهم ركعًا سجدًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧] ..
قوله تعالى: ﴿فسجدوا﴾ أي من غير تأخير؛ فالفاء هنا للترتيب، والتعقيب؛ ﴿إلا إبليس﴾ هو الشيطان؛ وسمي إبليسًا لأنه أَبلَسَ من رحمة الله. أي أَيِسَ منها يأسًا لا رجاء بعده. ﴿أبى﴾ أي امتنع؛ ﴿واستكبر﴾ أي صار ذا كبر؛ ﴿وكان من الكافرين﴾: زعم بعض العلماء أن المراد: كان من الكافرين في علم الله بناءً على أن
﴿كان﴾ فعل ماضٍ؛ والمضي يدل على شيء سابق؛ لكن هناك تخريجًا أحسن من هذا: أن نقول: إن "كان"
[ ١ / ١٢٥ ]
تأتي أحيانًا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقق اتصاف الموصوف بهذه الصفة؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، وما أشبهها؛ هذه ليس المعنى أنه كان فيما مضى؛ بل لا يزال؛ فتكون ﴿كان﴾ هنا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بما دلت عليه الجملة؛ وهذا هو الأقرب، وليس فيه تأويل؛ ويُجرى الكلام على ظاهره ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: بيان فضل آدم على الملائكة؛ وجهه أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا له تعظيمًا له ..
. ٢ ومنها: أن السجود لغير الله إذا كان بأمر الله فهو عبادة؛ لأن لله تعالى أن يحكم بما شاء؛ ولذلك لما امتنع إبليس عن هذا كان من الكافرين؛ وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على كفر تارك الصلاة؛ قال: لأنه إذا كان إبليس كفر بترك سجدة واحدة أُمر بها، فكيف عن ترك الصلاة كاملة؟! وهذا الاستدلال إن استقام فهو هو؛ وإن لم يستقم فقد دلت نصوص أخرى من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة على كفر تارك الصلاة كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة ..
ويدل على أن المحرَّم إذا أمر الله تعالى به كان عبادة قصة إبراهيم ﵇، حين أمره الله أن يذبح ابنه إسماعيل فامتثل أمر الله؛ ولكن الله رحمه، ورحم ابنه برفع ذلك عنهما، حيث قال تعالى: ﴿فلما أسلما وتلَّه للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم *
[ ١ / ١٢٦ ]