قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ [الصافات: ١٠٣. ١٠٥]؛ ومن المعلوم أن قتل الابن من كبائر الذنوب، لكن لما أمر الله ﷿ به كان امتثاله عبادة
٣ ومن فوائد الآية: أن إبليس. والعياذ بالله. جمع صفات الذم كلها: الإباء عن الأمر؛ والاستكبار عن الحق، وعلى الخلق؛ والكفر؛ إبليس استكبر عن الحق؛ لأنه لم يمتثل أمر الله؛ واستكبر على الخلق؛ لأنه قال: ﴿أنا خير منه﴾ [الأعراف: ١٢]؛ فاستكبر في نفسه، وحقر غيره؛ و"الكبر" بطر الحق، وغمط الناس ..
تنبيه:
إن قال قائل: في الآية إشكال. وهو أن الله تعالى لما ذكر أمر الملائكة بالسجود، وذكر أنهم سجدوا إلا إبليس؛ كان ظاهرها أن إبليس منهم؛ والأمر ليس كذلك؟ ..
والجواب: أن إبليس كان مشاركًا لهم في أعمالهم ظاهرًا، فكان توجيه الأمر شاملًا له بحسب الظاهر؛ وقد يقال: إن الاستثناء منقطع؛ والاستثناء المنقطع لا يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه ..
القرآن
(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة: ٣٥)
التفسير:
. ﴿٣٥﴾ قوله تعالى: ﴿قلنا﴾ فاعل القول هو الله ﷿؛
[ ١ / ١٢٧ ]
﴿اسكن أنت وزوجك﴾: "زوج" معطوف على الفاعل في ﴿اسكن﴾؛ لأن ﴿أنت﴾ توكيد للفاعل؛ وليست هي الفاعل؛ لأن ﴿اسكن﴾ فعل أمر؛ وفعل الأمر لا يمكن أن يظهر فيه الفاعل؛ لأنه مستتر وجوبًا؛ وعلى هذا فـ ﴿أنت﴾ الضمير المنفصل توكيد للضمير المستتر؛ و﴿زوجك﴾ هي حواء، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، وغيره ..
قوله تعالى: ﴿الجنة﴾ هي البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه مستتر بأشجاره؛ وهل المراد بـ ﴿الجنة جنة الخلد؛ أم هي جنة سوى جنة الخلد؟ ..
الجواب: ظاهر الكتاب، والسنة أنها جنة الخلد، وليست سواها؛ لأن "أل" هنا للعهد الذهني ..
فإن قيل: كيف يكون القول الصحيح أنها جنة الخلد مع أن من دخلها لا يخرج منها. وهذه أُخرج منها آدم؟
فالجواب: أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها: بعد البعث؛ وفي هذا يقول ابن القيم في الميمية المشهورة.
(فحيَّ على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم) قال: "منازلك الأولى"؛ لأن أبانا آدم نزلها ..
قوله تعالى: ﴿وكُلا﴾: أمر بمعنى الإباحة، والإكرام؛ ﴿منها﴾ أي من هذه الجنة؛ ﴿رغدًا﴾ أي أكلًا هنيًا ليس فيه تنغيص؛ ﴿حيث شئتما﴾ أي في أيّ مكان من هذه الجنة، ونقول أيضًا: وفي أيّ زمان؛ لأن قوله تعالى: ﴿كُلا﴾ فعل مطلق لم يقيد بزمن ..
قوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ أشار الله تعالى إلى
[ ١ / ١٢٨ ]
الشجرة بعينها، و"أل" فيها للعهد الحضوري؛ لأن كل ما جاء بـ "أل" بعد اسم الإشارة فهو للعهد الحضوري؛ إذ إن اسم الإشارة يعني الإشارة إلى شيء قريب؛ وهذه الشجرة غير معلومة النوع، فتبقى على إبهامها ..
قوله تعالى: ﴿فتكونا﴾: وقعت جوابًا للطلب. وهو قوله تعالى: ﴿لا تقربا﴾؛ فالفاء هنا للسببية؛ والفعل بعدها منصوب بـ "أن" مضمرة بعد فاء السببية؛ وقيل: إن الفعل منصوب بنفس الفاء؛ القول الأول للبصريين، والثاني للكوفيين؛ والثاني هو المختار عندنا بناءً على القاعدة أنه متى اختلف علماء النحو في إعراب كلمة أو جملة فإننا: نأخذ بالأسهل ما دام المعنى يحتمله ..
قوله تعالى: ﴿من الظالمين﴾ أي من المعتدين لمخالفة الأمر ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: إثبات القول لله ﷿؛ لقوله تعالى: (وقلنا يا آدم)
٢ ومنها: أن قول الله يكون بصوت مسموع، وحروف مرتبة؛ لقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن ﴾ إلخ؛ ولولا أن آدم يسمعه لم يكن في ذلك فائدة؛ وأيضًا هو مرتب؛ لقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك﴾: وهذه حروف مرتبة، كما هو ظاهر؛ وإنما قلنا ذلك لأن بعض أهل البدع يقول: إن كلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه، وليس بصوت، ولا حروف مرتبة؛ ولهم في ذلك آراء مبتدعة أوصلها بعضهم إلى ثمانية أقوال
[ ١ / ١٢٩ ]
٣ ومن فوائد الآية: منّة الله ﷿ على آدم، وحواء حيث أسكنهما الجنة ..
. ٤ ومنها: أن النكاح سنة قديمة منذ خلق الله آدم، وبقيت في بنيه من الرسل، والأنبياء، ومن دونهم، كما قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك وجعلنا لهم أزواجًا وذرية﴾ (الرعد: ٣٨)
فإن قال قائل: زوجته بنت من؟ ..
فالجواب: أنها خلقت من ضلعه ..
فإن قال: إذًا تكون بنتًا له، فكيف يتزوج ابنته؟ ..
فالجواب: أن لله تعالى أن يحكم بما شاء؛ فكما أباح أن يتزوج الأخ أخته من بني آدم الأولين؛ فكذلك أباح أن يتزوج آدم من خلقها الله من ضلعه ..
. ٥ ومن فوائد الآية: أن الأمر يأتي للإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿وكُلا منها﴾؛ فإن هذه للإباحة بدليل قوله تعالى: ﴿حيث شئتما﴾: خيَّرهما أن يأكلا من أيّ مكان؛ ولا شك أن الأمر يأتي للإباحة؛ ولكن الأصل فيه أنه للطلب حتى يقوم دليل أنه للإباحة ..
. ٦ ومنها: أن ظاهر النص أن ثمار الجنة ليس له وقت محدود؛ بل هو موجود في كل وقت؛ لقوله تعالى: ﴿حيث شئتما﴾؛ فالتعميم في المكان يقتضي التعميم في الزمان؛ وقد قال الله تعالى في فاكهة الجنة: ﴿وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾ (الواقعة: ٣٢، ٣٣).
٧ ومنها: أن الله تعالى قد يمتحن العبد، فينهاه عن شيء قد تتعلق به نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾؛ ووجه ذلك أنه لولا أن النفس تتعلق بها ما احتيج إلى النهي عن قربانها ..
[ ١ / ١٣٠ ]