كذلك الرحمة المراد بها الرحمة التي لا تكون إلا لله؛ أما رحمة الخلق بعضهم لبعض فهذا ثابت. لا يختص بالله ﷿؛ ولهذا قال النبي ﷺ: "الراحمون يرحمهم الرحمن" (^١) ..
القرآن
(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: ٣٨)
التفسير:
. ﴿٣٨﴾ قوله تعالى: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعًا﴾: الواو ضمير جمع، وعبر به عن اثنين لأن آدم، وحواء هما أبَوَا بني آدم؛ فوجه الخطاب إليهما بصيغة الجمع باعتبارهما مع الذرية؛ هذا هو الظاهر؛ وأما حمله على أن أقل الجمع اثنين، وأن ضمير الجمع هنا بمعنى ضمير التثنية فبعيد؛ لأن كون أقل الجمع اثنين شاذ في اللغة العربية؛ وأما قوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] فإن الأفصح في المتعدد إذا أضيف إلى متعدد أن يكون بلفظ الجمع. وإن كان المراد به اثنين؛ و﴿جميعًا﴾
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٠، حديث رقم ٦٤٩٤؛ وأخرجه أبو داود ص ١٥٨٥، كتاب الأدب، باب ٥٨: في الرحمة، حديث ٤٩٤١؛ وأخرجه الترمذي ص ١٨٤٦، كتاب البر والصلة، باب ١٦: ما جاء في رحمة الناس، حديث رقم ١٩٢٤، وفي الحديث: أبو قابوس لم يوثقه غير ابن حبان، قال الألباني: حديث صحيح بالشواهد والمتابعات [السلسلة الصحيحة ٢/ ٦٣٠ - ٦٣١، حديث رقم ٩٢٥]،
[ ١ / ١٣٧ ]
منصوبة على الحال من الواو في قوله تعالى: (اهبطوا)
قوله تعالى: ﴿فإما﴾ أصلها: "فإنْ ما": أدغمت النون في "ما"؛ و"إن" شرطية، و"ما" زائدة للتوكيد؛
و﴿يأتينكم﴾ فعل مضارع مؤكد بنون التوكيد؛ ولذلك لم يكن مجزومًا؛ بل كان مبنيًا على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد لفظًا، وتقديرًا ..
قوله تعالى: ﴿مني هدًى﴾ أي علمًا: وذلك بالوحي الذي يوحيه الله تعالى إلى أنبيائه، ورسله ..
قوله تعالى: ﴿فمن تبع﴾: الفاء هنا رابطة لجواب الشرط؛ لأن الجملة بعد الفاء هي جواب الشرط؛ والجملة هنا اسمية؛ و"مَنْ" شرطية؛ و"تبع" فعل الشرط؛ والفاء في قوله تعالى: ﴿فلا خوف﴾ رابطة للجواب أيضًا، و"لا" نافية، و"خوف" مبتدأ؛ وجملة: ﴿فمن تبع هداي فلا خوف﴾ جواب "إنْ" في قوله تعالى: ﴿فإما يأتينكم﴾؛ وجملة: ﴿فلا خوف﴾ جواب ﴿فمن تبع﴾ ..
وقوله تعالى: ﴿فمن تبع هداي﴾ أي أخذ به تصديقًا بأخباره، وامتثالًا لأحكامه؛ وأضافه الله لنفسه لأنه الذي شرعه لعباده، ولأنه موصل إليه ..
قوله تعالى: ﴿فلا خوف عليهم﴾ أي فيما يستقبل؛ لأنهم آمنون؛ ﴿ولا هم يحزنون﴾ أي على ما مضى؛ لأنهم قد اغتنموه، وقاموا فيه بالعمل الصالح؛ بل هم مطمئنون غاية الطمأنينة ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية أن الجنة التي أُسكنها آدم أولًا كانت عالية؛ لقوله تعالى: ﴿اهبطوا﴾؛ والهبوط لا يكون إلا من أعلى ..
. ٢ ومنها: إثبات كلام الله؛ لقوله تعالى: (قلنا) ..
[ ١ / ١٣٨ ]
٣ منها: أنه بصوت مسموع، وحروف مرتبة؛ لقوله تعالى: ﴿اهبطوا منها جميعًا﴾؛ فلولا أنهم سمعوا ذلك ما صح توجيه الأمر إليهم
٤ ومنها: أن التوكيد في الأسلوب العربي فصيح، ومن البلاغة؛ لقوله تعالى: ﴿جميعًا﴾؛ وهو توكيد معنوي: لأنه حال من حيث الإعراب؛ لأن الشيء إذا كان هامًا فينبغي أن يؤكد؛ فتقول للرجل إذا أردت أن تحثه على الشيء: "يا فلان عجل عجل عجل" ثلاث مرات؛ والمقصود التوكيد، والحث ..
. ٥ ومنها: أن الهدى من عند الله؛ لقوله تعالى: (فإما يأتينكم مني هدًى)
فإن قال قائل: "إنْ" في قوله تعالى: ﴿فإما﴾ لا تدل على الوقوع؛ لأنها ليست كـ "إذا"؟ قلنا: نعم، هي لا تدل على الوقوع، لكنها لا تنافيه؛ والواقع يدل على الوقوع. أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير؛ وممكن أن نقول: في هذه الصيغة. ﴿فإما يأتينكم﴾. ما يدل على الوقوع؛ وهو توكيد الفعل ..
ويتفرع على هذه الفائدة: أنك لا تسأل الهدى إلا من الله ﷿؛ لأنه هو الذي يأتي به ..
. ٦ ومن فوائد الآية: أن من اتبع هدى الله فإنه آمن من بين يديه، ومن خلفه؛ لقوله تعالى:
(فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
. ٧ ومنها: أنه لا يتعبد لله إلا بما شرع؛ لقوله تعالى: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
. ٨ ومنها: أن من تعبد لله بغير ما شرع فهو على غير هدى؛ فيكون ضالًا كما شهدت بذلك السنة؛ فقد كان النبي ﷺ
[ ١ / ١٣٩ ]