في موضع آخر؛ إذ لا يتم الامتثال إلا ببيانها
٤ ومنها: جواز التعبير عن الكل بالبعض إذا كان هذا البعض من مباني الكل التي لا يتم إلا بها؛ لقوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين)
. ٥ ومنها: وجوب صلاة الجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾؛ هكذا استدل بها بعض العلماء؛ ولكن في هذا الاستدلال شيء؛ لأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل؛ ولهذا قيل لمريم: ﴿اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾: والنساء ليس عليهن جماعة؛ إذًا لا نسلم أن هذه الآية تدل على وجوب صلاة الجماعة؛ ولكن. الحمد لله. وجوب صلاة الجماعة ثابت بأدلة أخرى ظاهرة من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة ﵃ ..
القرآن
(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة: ٤٤)
التفسير:.
﴿٤٤﴾ قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر ﴾: الاستفهام هنا للإنكار؛ والمراد إنكار أمر الناس بالبر مع نسيان النفس؛ إذ النفس أولى أن يبدأ بها؛ و"البر" هو الخير؛ قال أهل التفسير: إن الواحد منهم يأمر أقاربه باتباع الرسول ﷺ، ويقول: إنه حق؛ لكن تمنعه رئاسته، وجاهه أن يؤمن به؛ ومن أمثلة ذلك أن
[ ١ / ١٥٧ ]
النبي ﷺ عاد غلامًا من اليهود كان مريضًا، فحضر أجله والنبي ﷺ عنده؛ فدعاه النبي ﷺ إلى الرشد، فنظر إلى أبيه كأنه يستشيره، فقال له أبوه: "أطع أبا القاسم". وأبوه يهودي.، فتشهد الغلام شهادة الحق، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار" (^١) أي بدعوتي؛ إذًا هؤلاء اليهود من أحبارهم من يأمر الناس بالبر. وهو اتباع الرسول ﷺ. ولكنه ينسى نفسه، ولا يؤمن؛ فقال الله تعالى: ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾ أي تقرؤون التوراة؛ والجملة هنا حالية. أي والحال أنكم تتلون الكتاب.؛ فلم تأمروا بالبر إلا عن علم؛ ولكن مع ذلك ﴿تنسون أنفسكم﴾ أي تتركونها، فلا تأمرونها بالبر ..
قوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾: الاستفهام هنا للتوبيخ. يعني أفلا يكون لكم عقول تدركون بها خطأكم، وضلالكم.؟! و"العقل" هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك الذي يناط به التكليف؛ لأن العقل نوعان: عقل هو مناط التكليف. وهو إدراك الأشياء، وفهمها.؛ وهو الذي يتكلم عليه الفقهاء في العبادات، والمعاملات، وغيرها؛ وعقل الرشد. وهو أن يحسن الإنسان التصرف.؛ وسمي إحسان التصرف عقلًا؛ لأن الإنسان عَقَل تصرفه فيما ينفعه ..
الفوائد:.
١ من فوائد الآية: توبيخ هؤلاء الذين يأمرون بالبر، وينسون أنفسهم؛ لأن ذلك منافٍ للعقل؛ وقد ورد الوعيد الشديد على من كان هذا دأبه؛ فقد أخبر النبي ﷺ "أنه يؤتى بالرجل
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٧٩.
[ ١ / ١٥٨ ]
فيلقى في النار فتندلق أقتابه". و"الأقتاب" هي الأمعاء. "فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" (^١)؛ فهو من أشد الناس عذابًا. والعياذ بالله
فإن قال قائل: بناءً على أنه مخالف للعقل، وبناءً على شدة عقوبته أنقول لمن لا يفعل ما أَمَر به، ومن لا يترك ما نهى عنه: "لا تأمر، ولا تنهَ"؟
فالجواب: نقول: لا، بل مُرْ، وافعل ما تأمر به؛ لأنه لو ترك الأمر مع تركه فِعلَه ارتكب جنايتين: الأولى: ترك الأمر بالمعروف؛ والثانية: عدم قيامه بما أمر به؛ وكذلك لو أنه ارتكب ما ينهى عنه، ولم يَنْهَ عنه فقد ارتكب مفسدتين: الأولى: ترك النهي عن المنكر؛ والثانية: ارتكابه للمنكر ..
ثم نقول: أينا الذي لم يسلم من المنكر! لو قلنا: لا ينهى عن المنكر إلا من لم يأت منكرًا لم يَنهَ أحد عن منكر؛ ولو قلنا: لا يأمر أحد بمعروف إلا من أتى المعروف لم يأمر أحد بمعروف؛ ولهذا نقول: مُرْ بالمعروف، وجاهد نفسك على فعله، وانْهَ عن المنكر، وجاهد نفسك على تركه
٢ ومن فوائد الآية: توبيخ العالم المخالف لما يأمر به،
_________________
(١) أخرجه البخاري ص ٢٦٤، كتاب بدء الخلق، باب ١٠: صفة النار وأنها مخلوقة، حديث رقم ٣٢٦٧؛ وأخرجه مسلم ص ١١٩٥، كتاب الزهد والرقائق، باب ٧: من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، حديث رقم ٧٤٨٣ [٥١] ٢٩٨٩.
[ ١ / ١٥٩ ]