أو لما ينهى عنه؛ وأن العالم إذا خالف فهو أسوأ حالًا من الجاهل؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾؛ وهذا أمر فُطر الناس عليه. أن العالم إذا خالف صار أشد لومًا من الجاهل.؛ حتى العامة تجدهم إذا فعل العالم منكرًا قالوا: كيف تفعل هذا وأنت رجل عالم؟! أو إذا ترك واجبًا قالوا: كيف تترك هذا وأنت عالم؟!.
. ٣ ومن فوائد الآية: توبيخ بني إسرائيل، وأنهم أمة جهلة حمقى ذوو غيٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾ ..
. ٤ ومنها: أن من أمر بمعروف، ولم يفعله؛ أو نهى عن منكر وفعله من هذه الأمة، ففيه شبه باليهود؛ لأن هذا دأبهم. والعياذ بالله
القرآن
(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة: ٤٥)
التفسير:
. ﴿٤٥﴾ قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ أي استعينوا على أموركم بالصبر، والصلاة؛ و"الاستعانة" هي طلب العون؛ و"الاستعانة بالصبر" أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة؛ و﴿الصلاة﴾ هي العبادة المعروفة؛ وتعم الفرض، والنفل ..
قوله تعالى: ﴿وإنها﴾: قيل: إن الضمير يعود على ﴿الصلاة﴾؛ لأنها أقرب مذكور؛ والقاعدة في اللغة العربية أن
[ ١ / ١٦٠ ]
الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يمنع منه مانع؛ وقيل إن الضمير يعود على الاستعانة المفهومة من قوله تعالى: ﴿واستعينوا﴾؛ لأن الفعل ﴿استعينوا﴾ يدل على زمن، ومصدر؛ فيجوز أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨]، أي العدل المفهوم من قوله تعالى: ﴿اعدلوا﴾ أقرب للتقوى؛ لكن المعنى الأول أوضح ..
قوله تعالى: ﴿لكبيرة﴾ أي لشاقة ﴿إلا على الخاشعين﴾ أي الذليلين لأمر الله ..
الفوائد:.
١ من فوائد الآية: إرشاد الله - ﵎ - عباده إلى الاستعانة بهذين الأمرين: الصبر، والصلاة ..
. ٢ ومنها: جواز الاستعانة بغير الله؛ لكن فيما يثبت أن به العون؛ فمثلًا إذا استعنت إنسانًا يحمل معك المتاع إلى البيت كان جائزًا؛ قال النبي ﷺ "وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة (^١) " ..
أما الاستعانة بما لا عون فيه فهي سفه في العقل، وضلال في الدين، وقد تكون شركًا: كأن يستعين بميت، أو بغائب لا يستطيع أن يعينه لبعده عنه، وعدم تمكنه من الوصول إليه
٣ ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر، وأن به العون على مكابدة الأمور؛ قال أهل العلم: والصبر ثلاثة أنواع؛ وأخذوا هذا التقسيم من الاستقراء؛ الأول: الصبر على طاعة الله؛ والثاني:
_________________
(١) سبق تخريجه ص ١٤.
[ ١ / ١٦١ ]
الصبر عن معصية الله؛ والثالث: الصبر على أقدار الله؛ فالصبر على الطاعة هو أشقها، وأفضلها؛ لأن الصبر على الطاعة يتضمن فعلًا وكفًا اختياريًا: فعل الطاعة؛ وكفّ النفس عن التهاون بها، وعدم إقامته؛ فهو إيجادي إيجابي؛ والصبر عن المعصية ليس فيه إلا كف فقط؛ لكنه أحيانًا يكون شديدًا على النفس؛ ولهذا جعل النبي ﷺ الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب، وجمال، فقال: "إني أخاف الله" (^١) في رتبة الإمام العادل من حيث إن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وإن كان الإمام العادل أفضل.؛ لأن قوة الداعي في الشباب، وكون المرأة ذات منصب وجمال، وانتفاء المانع فيما إذا كان خاليًا بها يوجب الوقوع في المحذور؛ لكن قال: "إني أخاف الله"؛ ربما يكون هذا الصبر أشق من كثير من الطاعات؛ لكن نحن لا نتكلم عن العوارض التي تعرض لبعض الناس؛ إنما نتكلم عن الشيء من حيث هو؛ فالصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ والصبر عن المعصية أفضل من الصبر على أقدار الله؛ لأنه لا اختيار للإنسان في دفع أقدار الله؛ لكن مع ذلك قد يجد الإنسان فيه مشقة عظيمة؛ ولكننا نتكلم ليس عن صبر معين في شخص معين؛ قد يكون بعض الناس يفقد حبيبه، أو ابنه، أو زوجته، أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا أشق عليه من كثير من الطاعات من حيث الانفعال النفسي؛ والصبر على أقدار الله ليس من المكلف فيه عمل؛ لأن ما وقع
_________________
(١) أخرجه البخاري ص ٥٦٧ - ٥٦٨، كتاب الحدود، باب ١٩: فضل من ترك الفواحش، حديث رقم ٦٨٠٦؛ وأخرجه مسلم ص ٨٤٠، كتاب الزكاة، باب ٣٠: فضل إخفاء الصدقة، حديث رقم ٢٣٨٠ [٩١] ١٠٣١.
[ ١ / ١٦٢ ]
لابد أن يقع.
صبرت، أم لم تصبر.: هل إذا جزعت، وندمت، واشتد حزنك يرتفع المقدور؟!.
الجواب: لا؛ إذًا كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام؛ وإما أن تسلو سُلوّ البهائم ..
. ٤ ومن فوائد الآية: الحث على الصبر بأن يحبس الإنسان نفسه، ويُحمِّلها المشقة حتى يحصل المطلوب؛ وهذا مجرب. أن الإنسان إذا صبر أدرك مناله؛ وإذا ملّ كسل، وفاته خير كثير.؛ ولهذا قال النبي ﷺ: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" (^١)؛ وكثير من الناس يرى أن بداءته بهذا العمل مفيدة له، فيبدأ، ثم لا يحصل له مقصوده بسرعة، فيعجز، ويكِلّ، ويترك؛ إذًا ضاع عليه وقته الأول، وربما يكون زمنًا كثيرًا؛ ولا يأمن أنه إذا عدل عن الأول، ثم شرع في ثانٍ أن يصيبه مثل ما أصابه أولًا، ويتركه؛ ثم تمضي عليه حياته بلا فائدة؛ لكن إذا صبر مع كونه يعرف أنه ليس بينه وبين مراده إلا امتداد الأيام فقط، وليس هناك موجب لقطعه؛ فليصبر: لنفرض أن إنسانًا من طلبة العلم همّ أن يحفظ: "بلوغ المرام"، وشرع فيه، واستمر حتى حفظ نصفه؛ لكن لحقه الملل، فعجز، وترك: فالمدة التي مضت خسارة عليه إلا ما يبقى في ذاكرته مما حفظ فقط؛ لكن لو استمر، وأكمل حصل المقصود؛ وعلى هذا فقس
٥ ومن فوائد الآية: فضيلة الصلاة، حيث إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة؛ لقوله تعالى: ﴿والصلاة﴾؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه؛ وقد روي
_________________
(١) أخرجه مسلم ص ١١٤٢، كتاب القدر، باب ٨: الإيمان بالقدر والإذعان له، حديث رقم ٦٧٧٤ [٣٤] ٢٦٦٤.
[ ١ / ١٦٣ ]
عن النبي ﷺ أنه كان إذا حزبه أمر صلى (^١)؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله في العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر (^٢).
فإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عونًا للإنسان؟
فالجواب: تكون عونًا إذا أتى بها على وجه كامل. وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله ﷿ الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ "جعلت قرة عيني في الصلاة" (^٣)؛ أما الإنسان
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٨، حديث رقم ٢٣٦٨٨؛ وأخرجه أبو داود ص ١٣٢١، كتاب الصلاة، باب ٢٢: وقت قيام النبي ﷺ من الليل، حديث رقم ١٣١٩، ومدار الحديث على محمد بن عبد الله بن أبي قدامة الدؤلي، قال الذهبي: "ما أعلم روى عنه غير عكرمة بن عمار". ميزان الاعتدال (٣/ ٥٩٥) رقم ٧٧٤٧، وأقره الحافظ في تهذيب التهذيب ٩/ ٢٤١، وقال شعيب الأرناؤوط في تحرير التقريب: "مجهول"، تفرد بالرواية عنه عكرمة بن عمار اليمامي ولم يوثقه أحد ٣/ ٢٧٢، وقال الحافظ في الفتح: أخرجه أبو داود بإسناد حسن ٣/ ١٧٢.
(٢) راجع البخاري ص ٢٣٤، كتاب الجهاد، باب ٨٩: ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب، حديث رقم ٢٩١٥؛ ومسلمًا ص ٩٩٠، كتاب الجهاد، باب ١٨: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، حديث رقم ٤٥٨٨ [٥٨] ١٧٦٣؛ والسيرة النبوية لابن هشام ٢/ ١٩٦.
(٣) أخرجه أحمد ٣/ ١٢٨، حديث رقم ١٢٣١٨؛ وأخرجه النسائي ص ٢٣٠٧، كتاب عشرة النساء، باب ١: حب النساء، حديث رقم ٣٣٩١، وقال الألباني في صحيح النسائي: حسن صحيح ٣/ ٥٧، حديث رقم ٣٩٤٩.
[ ١ / ١٦٤ ]